أعلنت شركة غازبروم أن عمليات ضخ الغاز في مستودعات التخزين الأوروبية تحت الأرض تسير بوتيرة أبطأ من المعتاد، مع اتساع الفجوة مقارنة بمستويات العام الماضي. وتشير تقديرات الشركة إلى أنه إذا استمرت وتيرة الحقن الحالية، فقد تنتهي أوروبا إلى أقل من 75% من سعة التخزين بحلول الأول من أكتوبر، وهو مستوى يثير القلق مع اقتراب موسم التدفئة.
ويأتي هذا التحذير في وقت يظل فيه ملف أمن الطاقة الأوروبي حساساً، بعدما تحولت المخزونات الجوفية إلى أحد أهم أدوات إدارة الطلب خلال أشهر البرد. فهذه المستودعات لا تعمل فقط كاحتياطي فني، بل تمثل صمام أمان يساعد الحكومات والموردين على موازنة الاستهلاك عندما ترتفع الحاجة إلى الغاز في المنازل والصناعة ومحطات الكهرباء.
مخزونات الغاز ودورها في استقرار السوق
بحسب المعطيات التي استندت إليها المفوضية الأوروبية، فإن تخزين الغاز تحت الأرض يؤدي دوراً محورياً في تأمين الإمدادات داخل الاتحاد الأوروبي. وخلال فصل الشتاء، يمكن لهذه المخزونات أن تغطي ما يصل إلى ثلث احتياجات الاتحاد من الغاز، ما يجعل مستوى امتلائها عاملاً مؤثراً مباشرة في قدرة السوق على مواجهة موجات البرد أو اضطرابات الإمداد.
وتوضح هذه الأهمية لماذا تراقب الأسواق الأوروبية عن كثب كل مؤشر يتعلق بسرعة الملء ومستويات السحب من المخازن. فكل تأخر في تكوين الاحتياطيات قبل الشتاء قد ينعكس على الأسعار، وعلى ثقة المستهلكين والموردين، وعلى هامش الأمان الذي تعتمد عليه شركات الطاقة والمرافق العامة.
أهداف التخزين الأوروبية وتعديلها
كانت القواعد التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي في يونيو 2022 قد وضعت هدفاً طموحاً يقضي بملء المخازن بنسبة 90% بحلول الأول من نوفمبر، وذلك بهدف تحسين الجاهزية خلال فصل التدفئة. غير أن هذا المستوى جرى تخفيفه لاحقاً في ضوء التطورات الجيوسياسية ومخاوف تعطل الإمدادات، إذ خفّض الاتحاد المستوى المطلوب قبل الشتاء إلى 80%، وفق ما أعلنته المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية آنا كايسا إيتكونن في يونيو.
ويعكس هذا التعديل محاولة أوروبية للموازنة بين الاستعداد الشتوي والواقع التجاري في سوق الغاز. فارتفاع كلفة الشراء وتذبذب الإمدادات يجعلان الوصول إلى مستويات تخزين مرتفعة أمراً أكثر تعقيداً من السابق، حتى لو ظلت الأهداف التنظيمية قائمة بوصفها مرجعاً للاستعداد.
الأسعار ما زالت غير مستقرة
رغم أن المسؤولين الأوروبيين لا يرون، حتى الآن، مؤشرات مباشرة على خطر فوري يهدد موسم التدفئة المقبل، فإنهم يعترفون بأن سوق الأسعار لا يزال بعيداً عن الاستقرار. ويعني ذلك أن أي تطور مفاجئ في الإمدادات أو الطقس أو الطلب الصناعي قد ينعكس سريعاً على تكلفة الغاز في القارة.
في هذا السياق، تصبح وتيرة التخزين مؤشراً استباقياً بالغ الأهمية. فالسوق لا يتعامل فقط مع ما هو متاح اليوم، بل مع ما يمكن أن يصبح متاحاً عند ذروة الاستهلاك في يناير وفبراير. وإذا دخل الشتاء بمخزونات أقل من المعتاد، فإن ضغوط الأسعار قد تشتد حتى لو لم يحدث نقص فعلي في الإمدادات خلال المدى القصير.
مخاطر الإمدادات تتجاوز الجانب الفني
تحذير غازبروم لا يقتصر على الأرقام الفنية الخاصة بنسبة الامتلاء، بل يسلط الضوء على هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية في مواجهة الشكوك الجيوسياسية والتجارية. فكلما انخفضت مستويات التخزين المتاحة قبل الشتاء، تقلصت قدرة السوق على امتصاص أي اضطراب، سواء كان ناتجاً عن صيانة بنية تحتية، أو اضطراب في سلاسل الشحن، أو زيادة غير متوقعة في الطلب.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الأشهر التي يرتفع فيها الاستهلاك المنزلي والتجاري. وعندها يصبح الغاز المخزن بمثابة مخزون استراتيجي لا غنى عنه لاستمرار التدفئة وتفادي القفزات الحادة في الأسعار، خصوصاً في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
ما الذي يعنيه ذلك للمستهلكين والشركات؟
بالنسبة للمستهلك الأوروبي، لا يظهر أثر هذه التطورات فوراً في كل الحالات، لكن الأسواق غالباً ما تستبق المخاطر عبر تسعير احتمالات النقص قبل وقوعه. أما الشركات الصناعية ومرافق الخدمات، فتتابع هذه المؤشرات لأنها ترتبط مباشرة بتكلفة الإنتاج والميزانيات التشغيلية خلال الشتاء.
وفي حال بقيت عملية الضخ في المخازن بطيئة، فقد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى الاعتماد أكثر على الشراء الفوري أو على ترتيبات بديلة لتعزيز الإمدادات. وهذا يضيف طبقة جديدة من الضغط على السوق، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار عدم اليقين في التجارة الدولية للطاقة.
وبينما تؤكد المفوضية الأوروبية أن مستويات الاحتياطي الحالية لا تثير هلعاً فورياً، فإن المؤشرات المعلنة من غازبروم تعكس حقيقة مهمة: أمن الطاقة في أوروبا ما زال مرتبطاً بدرجة كبيرة بسرعة التخزين قبل الشتاء، وليس فقط بحجم الإمدادات المتوافرة اليوم.