16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تراجع العقود الآجلة في وول ستريت مع عودة الضغط على أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي

تراجعت العقود الآجلة الأميركية مع تصاعد الضغوط على أسهم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من التقييمات المرتفعة وتباطؤ تحويل الإنفاق الكبير على مراكز البيانات إلى أرباح فعلية.

ضغوط متجددة على أسهم التكنولوجيا

سجلت العقود الآجلة الأميركية بداية ضعيفة للجلسة الأخيرة من الأسبوع، مع عودة موجة البيع إلى أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي بعد صعود قوي في الجلسة السابقة. وجاء التراجع في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تقييم مستويات الأسعار المرتفعة في قطاع التكنولوجيا، خاصة بعد سلسلة مكاسب قادتها شركات أشباه الموصلات خلال الأشهر الماضية.

وبدا أثر هذا التحول سريعاً على المؤشرات الكبرى، إذ انخفضت عقود «داو جونز» بشكل محدود، بينما تحمل «ناسداك 100» العبء الأكبر من الخسائر في ظل حساسيته العالية لأسهم التكنولوجيا والنمو. أما «ستاندرد آند بورز 500» فقد تحرك أيضاً في المنطقة السلبية، ما عكس اتساع نطاق الضغط ليشمل قطاعات مرتبطة مباشرة بزخم الذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا التراجع بعد فترة من التفاؤل المفرط تجاه الشركات المرتبطة ببناء البنية التحتية التقنية، من رقائق الذاكرة والمعالجات إلى الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. لكن الأسواق أظهرت أخيراً ميلاً إلى التشكيك في قدرة هذه الشركات على الحفاظ على وتيرة الأرباح نفسها التي بررت الارتفاعات الحادة في أسعار الأسهم.

الرقائق في صدارة التقلبات

كانت أسهم الرقائق الأكثر تأثراً بالحركة الأخيرة، بعد أن قادت شركات مثل «مايكرون تكنولوجي» موجة صعود قوية في الجلسة السابقة بفضل توقعات فصلية مشجعة. غير أن السهم عاد للتراجع في التداولات المبكرة، في إشارة إلى أن السوق لا تزال تتعامل بحذر مع أي ارتفاعات كبيرة في هذا القطاع.

كما واصلت أسهم «إنفيديا» و«إيه إم دي» و«إنتل» التراجع، وهو ما يعكس استمرار الضغط على أبرز الأسماء التي أصبحت محور الرهان العالمي على الذكاء الاصطناعي. هذه الشركات استفادت خلال العام من نمو الطلب على الرقائق المتقدمة، لكنها باتت في المقابل أكثر عرضة لجني الأرباح كلما ارتفعت التوقعات أكثر من اللازم.

اللافت أن الضغوط لم تقتصر على شركات تصنيع الرقائق فقط، بل امتدت أيضاً إلى شركات الحوسبة السحابية الكبرى. فقد واجهت «ألفابت» و«أمازون» ضغوطاً بسبب مخاوف من أن الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا ينعكس بسرعة كافية على الإيرادات والأرباح.

أبل والبرمجيات بين التوازن والضغط

في المقابل، أظهرت بعض الأسهم مرونة نسبية. فقد استقرت أسهم «أبل» بعد هبوط حاد في الجلسة السابقة، عندما رفعت الشركة أسعار عدد من منتجاتها لمواجهة ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة والتخزين. وتسلط هذه الخطوة الضوء على كيف بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في سلاسل التوريد والتسعير، وليس فقط في تقييمات الأسهم.

أما شركات البرمجيات مثل «سيلزفورس» و«سيرفيس ناو» و«إنتويت»، فقد شهدت تعافياً محدوداً. ورغم هذا الأداء الأفضل نسبياً، لا تزال هذه الشركات تواجه سؤالاً استراتيجياً أكبر: هل سيساعدها الذكاء الاصطناعي على تعزيز منتجاتها وخدماتها، أم سيعيد تشكيل نماذج أعمالها بما يضغط على هوامشها وربحيتها؟

هذا التباين بين القطاعات يوضح أن السوق لم تعد تتحرك ككتلة واحدة خلف عنوان «الذكاء الاصطناعي»، بل أصبحت تميز أكثر بين الشركات التي تملك تدفقات نقدية واضحة وتلك التي تعتمد أساساً على وعود النمو المستقبلي.

مخاوف التقييمات تمتد إلى الأسواق العالمية

لم يقتصر التراجع على «وول ستريت»، إذ بدأت الضغوط في الأسواق الآسيوية قبل ذلك، مع هبوط واضح في المؤشرات اليابانية والكورية الجنوبية. وكانت أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هناك من بين الأكثر تراجعاً، في انعكاس لمخاوف عالمية متصاعدة من المبالغة في تقييم هذا القطاع.

ويبدو أن ما كان يُنظر إليه على أنه دورة نمو طويلة الأمد بدأ يدخل مرحلة أكثر حساسية، حيث أصبح المستثمرون أقل استعداداً لقبول أي فجوة بين ارتفاع الأسعار وسرعة نمو الأرباح. ومع وصول بعض الأسهم إلى مستويات تاريخية، باتت التقلبات اليومية أقرب إلى سمة دائمة في هذا القطاع.

كما زاد من حدة القلق أن بعض التقارير أشارت إلى احتمال تأجيل طرح شركات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق العامة، ما أضاف طبقة أخرى من الغموض حول توقيت انتقال هذا الزخم من السوق الخاصة إلى أسواق المال التقليدية.

سياسة الفائدة تظل عاملاً ضاغطاً

إلى جانب ضغوط التكنولوجيا، لا يزال مسار السياسة النقدية الأميركية عنصراً حاسماً في تحديد اتجاه السوق. فالمستثمرون يترقبون ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل نهج التشدد أو سيكتفي بمراقبة البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوة جديدة في أسعار الفائدة.

وتأتي هذه الترقبات في ظل بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف، رغم تراجعه النسبي عن ذرواته السابقة. كما أن تصريحات مسؤولي الفيدرالي تؤكد أن الطريق نحو استقرار الأسعار لم يكتمل بعد، وهو ما يفرض على الأسواق حسابات أكثر تحفظاً بشأن تكلفة التمويل والعوائد المستقبلية للأصول عالية المخاطر.

وفي بيئة كهذه، عادة ما تتعرض الأسهم ذات المضاعفات المرتفعة لضغط أكبر، لأن قيمة أرباحها المتوقعة في المستقبل تصبح أقل جاذبية كلما بقيت الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

التجارة الأميركية تزيد الصورة تعقيداً

على الجانب الكلي، أظهرت بيانات التجارة الأميركية اتساعاً كبيراً في عجز السلع خلال مايو، بعدما رفعت الشركات وارداتها لتفادي اضطرابات محتملة في الإمدادات وارتفاع الأسعار المرتبط بالتوترات الجيوسياسية. هذا التطور قد يدفع المحللين إلى إعادة النظر في توقعاتهم لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني.

وتعد حركة الواردات والصادرات من العناصر المؤثرة في قراءة النمو الاقتصادي، خصوصاً عندما يكون الاقتصاد الأميركي تحت ضغط مزدوج من تباطؤ بعض القطاعات ومن استمرار القلق بشأن التضخم. وعندما يتسع العجز التجاري بهذه الوتيرة، يصبح من الصعب على الأسواق تجاهل الإشارة إلى ضعف الطلب الخارجي أو إلى تغيرات سلوك الشركات المستوردة.

كما أن بيانات النمو والوظائف وثقة المستهلك، المنتظر صدورها خلال الفترة المقبلة، ستحدد بدرجة كبيرة نبرة السوق في الأسابيع التالية. فكل تقرير جديد قد يعزز أو يضعف الرهان على مسار الفائدة، ومن ثم يؤثر مباشرة في أسهم التكنولوجيا الأكثر حساسية للتغيرات في العوائد.

توقعات السوق: تباين لا هدوء

في المحصلة، تبدو الأسواق الأميركية أمام مرحلة توازن صعب بين قوة الزخم التكنولوجي من جهة، ومخاوف التقييمات والسياسة النقدية والبيانات الكلية من جهة أخرى. وبينما تبقى بعض المؤشرات مهيأة لتحقيق أداء متباين على أساس أسبوعي، فإن الصورة العامة تشير إلى أن المستثمرين صاروا أكثر انتقائية وأقل استعداداً لملاحقة الأسهم المرتفعة بلا توقف.

وبالنسبة لقطاع الذكاء الاصطناعي، فإن الرسالة الأوضح من حركة اليوم هي أن التوقعات لم تعد تكفي وحدها لدعم الأسعار. فالسوق تريد دلائل أسرع على الأرباح، ونمواً أكثر وضوحاً في العائدات، وقدرة أفضل على تحويل الإنفاق الرأسمالي الكبير إلى نتائج مالية قابلة للقياس.

إلى أن تظهر هذه الإشارات، يبدو أن أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي ستظل المحرك الأبرز للتقلبات في «وول ستريت»، سواء في اتجاه الصعود أو الهبوط.