07-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تراجع أسهم الذكاء الاصطناعي يضغط على وول ستريت ويعمّق مخاوف التقييمات المرتفعة

أدت موجة بيع حادة في أسهم الذكاء الاصطناعي إلى خسائر واسعة في الأسواق الأميركية والآسيوية، وسط تصاعد القلق من تضخم التقييمات وتباطؤ نمو الأرباح وارتفاع عوائد السندات.

موجة بيع واسعة تضرب أسهم الذكاء الاصطناعي

تعرّضت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي لضغوط قوية دفعت المؤشرات الأميركية الرئيسية إلى التراجع، في إشارة جديدة إلى أن موجة الحماس التي أحاطت بهذا القطاع خلال العامين الماضيين دخلت مرحلة أكثر حذراً. وجاءت الخسائر بعدما بدأت الأسواق تراجع الفجوة بين التوقعات العالية لأرباح الشركات وبين الأسعار التي وصلت إليها أسهمها.

وساهم هذا الهبوط في دفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى الانخفاض بنحو 0.6 في المائة، فيما تراجع ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة تقريباً خلال تعاملات صباح الجمعة. أما داو جونز الصناعي فسجّل خسارة أقل بلغت 0.4 في المائة، أو 223 نقطة، وهو ما يعكس استمرار الضغط على أسهم التكنولوجيا مقارنة ببقية السوق.

آسيا بدأت الهبوط قبل وول ستريت

لم يكن الضعف محصوراً في السوق الأميركية، إذ انطلقت موجة التراجع من آسيا حيث هبطت الأسهم في اليابان وكوريا الجنوبية بنسب حادة بلغت 4.2 في المائة و5.8 في المائة على التوالي. وفي تلك الأسواق أيضاً، تصدرت الشركات التي استفادت من الطفرة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي قائمة الخاسرين، ما يؤكد أن المزاج العالمي للمستثمرين بات أكثر تحفظاً تجاه القطاع.

ويعكس هذا الأداء قلقاً متزايداً من أن الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهم التكنولوجيا خلال الفترة الماضية قد تكون سبقت نمو الأرباح الفعلي. ومع انتقال جزء كبير من الأموال إلى هذه الشركات، أصبحت تحركاتها مؤثرة بشكل مباشر في مسار المؤشرات العالمية، لا سيما في الأسواق التي يهيمن عليها قطاع التكنولوجيا.

مخاوف التقييمات والأرباح تضغط على القطاع

يرى مستثمرون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في تراجع الاهتمام بالذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الفجوة بين قصص النمو المستقبلية والنتائج المالية الحالية. فبعد سنوات من الصعود السريع، باتت السوق تتساءل عمّا إذا كانت الإيرادات والأرباح ستستمر في النمو بالوتيرة التي تبرر الأسعار المرتفعة.

وتزداد هذه الضغوط عندما تدخل الشركات مرحلة تسعير أعلى لمنتجاتها أو مكوناتها الأساسية، وهو ما قد ينعكس على الطلب النهائي. وقد برز هذا الجانب بصورة أوضح مع بعض الشركات المرتبطة بسلاسل التوريد التكنولوجية، حيث بدأت آثار الطفرة تظهر في الأسعار والتكاليف، لا في الإيرادات فقط.

شركات الرقائق والتخزين في قلب التقلبات

من بين الشركات التي تأثرت بشكل ملحوظ مايكرون تكنولوجي، التي هبط سهمها 5.5 في المائة رغم أنها كانت من أكبر الرابحين خلال العام الحالي. وكانت الشركة قد استفادت بقوة من الطلب المرتفع على منتجات الذاكرة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى إن سعر سهمها تضاعف تقريباً عدة مرات خلال الفترة الماضية.

لكن السوق تعاملت مع نتائج الارتفاع بطريقة أكثر تحفظاً، بعدما ظهرت بوادر على أن موجة الطلب قد ترفع الأسعار النهائية على المستهلكين والشركات معاً. ووفق هذا المنطق، فإن الزيادة المفرطة في التكلفة قد تؤدي لاحقاً إلى تباطؤ الطلب أو تقليل وتيرة الإنفاق، وهو ما يضغط على التوقعات المستقبلية.

تأثير ممتد على شركات التكنولوجيا الكبرى

الضغوط لم تقتصر على شركات الشرائح الإلكترونية أو البنية التحتية، بل امتدت إلى أسماء أخرى مرتبطة بالقطاع. فقد ظهرت أيضاً تقلبات واضحة في أسهم شركات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة ومجالات صناعية أخرى، بما في ذلك شركات نشطة في الفضاء والذكاء الاصطناعي. هذا التداخل بين القطاعات يجعل أي تراجع في شهية المخاطرة أكثر شمولاً، لأن المستثمرين يعاملون هذه الأصول باعتبارها جزءاً من قصة نمو واحدة.

كما أن اتساع قاعدة المساهمين في أسهم الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الأخيرة جعل أي حركة هبوطية أكثر حساسية، إذ تنتقل الضغوط بسرعة من شركة إلى أخرى. ومع ارتفاع الوزن النسبي لهذه الأسهم داخل المؤشرات الكبرى، بات أي ضعف فيها كافياً لتغيير اتجاه السوق بأكملها.

عوائد السندات والتضخم يزيدان الضغط

تزامن هذا التراجع مع بيئة مالية لا تزال معقدة، إذ تُبقي عوائد سندات الخزانة الأميركية المرتفعة الضغط قائماً على الأصول عالية التقييم. فقد سجل العائد على السندات لأجل 10 سنوات مستوى قريباً من 4.39 في المائة، وهو مستوى لا يمنح الأسهم مرتفعة الثمن كثيراً من الدعم.

وفي الوقت نفسه، يظل المستثمرون حذرين من استمرار التضخم وارتفاع تكلفة التمويل في الاقتصاد الأميركي. فالعوائد المرتفعة لا تؤثر فقط على تقييمات الأسهم، بل تمتد أيضاً إلى أسعار الرهون العقارية والقروض الأخرى، ما قد يحد من شهية الإنفاق والاستثمار لدى الشركات والأفراد على حد سواء.

النفط والتدفقات الاستثمارية يعكسان مزاجاً أكثر تحفظاً

في أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة بعد فترة من الاضطراب المرتبط بالتوترات الجيوسياسية. وانخفض خام برنت، كما هبط خام غرب تكساس الوسيط، في إشارة إلى أن جزءاً من علاوة المخاطر التي دخلت الأسعار قد بدأ يتلاشى.

كما أظهرت بيانات تدفقات الصناديق الاستثمارية أن المستثمرين يقلصون تعرضهم للمخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا. فقد سجلت صناديق الأسهم العالمية تباطؤاً حاداً، بينما شهدت صناديق التكنولوجيا سحوبات كبيرة، في وقت واصل فيه المستثمرون الإقبال النسبي على أدوات الدخل الثابت. هذه التحولات تعكس انتقالاً من الرهان العدواني على النمو إلى قدر أكبر من التحوط وإدارة المخاطر.

قراءة السوق: تصحيح أم بداية إعادة تسعير أوسع

ما يحدث حالياً قد يكون تصحيحاً عادياً بعد صعود طويل، لكنه قد يشير أيضاً إلى بداية إعادة تسعير أوسع لأسهم الذكاء الاصطناعي. فكلما ارتفعت التوقعات، أصبح المستثمرون أكثر حساسية تجاه أي إشارة إلى تباطؤ الأرباح أو ارتفاع التكاليف أو تشدد السياسة النقدية.

وفي بيئة كهذه، لا يعود السؤال متعلقاً بمدى أهمية الذكاء الاصطناعي للاقتصاد العالمي، بل بقدرة الشركات على تحويل هذا الزخم إلى تدفقات نقدية وأرباح قابلة للاستمرار. وحتى تتضح الإجابة، يبدو أن الأسواق ستظل تتعامل مع أسهم القطاع باعتبارها من أكثر الأصول عرضة للتقلب خلال المرحلة المقبلة.