تدوير استثماري داخل الأسواق الصينية
شهدت الأسواق الصينية والهونغ كونغية موجة صعود في جلسة الاثنين، مدفوعة أساساً بأسهم السلع الاستهلاكية الأساسية والرعاية الصحية، في وقت فضّل فيه المستثمرون نقل جزء من أموالهم من بعض رهانات الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أكثر دفاعية وتقليدية. ويعكس هذا التحرك اتجاهاً أوسع في الأسواق العالمية، حيث بدأ كثير من المستثمرين بجني الأرباح بعد الارتفاع القوي الذي حققته أسهم مرتبطة برقائق الذاكرة وسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الماضية.
وبدا أن السوق لم تعد تتحرك بإيقاع واحد، إذ باتت موجات الشراء أكثر انتقائية، مع توجه المتعاملين إلى القطاعات التي يعتقدون أنها توفر توازناً أفضل بين النمو والاستقرار في بيئة مالية تتسم بتقلبات أعلى وتغيرات سريعة في شهية المخاطرة.
مكاسب واضحة في الاستهلاك والرعاية الصحية
بحلول استراحة الغداء، ارتفع مؤشر CSI 300 للأسهم القيادية في الصين بنسبة 0.1 في المائة، وصعد مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.2 في المائة، بينما حقق مؤشر هانغ سينغ في هونغ كونغ مكاسب أكبر بلغت 2.1 في المائة. وكان الأداء الأبرز من نصيب قطاعات الاستهلاك والرعاية الصحية؛ إذ ارتفعت أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية المحلية بنسبة 3.4 في المائة، وقفز مؤشر CSI للرعاية الصحية بنسبة 6 في المائة.
هذا التحسن يعكس عادةً بحث المستثمرين عن شركات أقل اعتماداً على دورة التكنولوجيا عالية التذبذب وأكثر ارتباطاً بالطلب المحلي والإنفاق الاستهلاكي والخدمات الصحية. وفي بيئة يشهد فيها العالم توتراً جيوسياسياً وتغيرات في سلاسل الإمداد، تكتسب هذه القطاعات أهمية إضافية لأنها تقدم قدراً أعلى من الوضوح في الإيرادات والتدفقات النقدية.
ضغط على أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي
في المقابل، تعرضت الأسهم المرتبطة بسلسلة توريد الرقائق الإلكترونية لضغوط ملحوظة. فقد هبط مؤشر CSI 5G، الذي يضم شركات مصنّعة ضمن المنظومة التكنولوجية، بنسبة 4.1 في المائة، بعدما كان قد حقق مكاسب قوية بلغت نحو 70 في المائة منذ بداية العام. كما تراجع مؤشر الذكاء الاصطناعي بنسبة 0.6 في المائة.
ورغم هذا التراجع، لم تختفِ شهية الاستثمار في التكنولوجيا بالكامل. فما زال مؤشر STAR 50، الذي يركز على الشركات التكنولوجية، مرتفعاً بنسبة 1.6 في المائة، مدعوماً بأسهم معدات أشباه الموصلات. كما يظل القطاع في دائرة الاهتمام مع اقتراب إدراج شركة CXMT، وهي من أبرز الشركات الصينية العاملة في صناعة رقائق الذاكرة.
وتشير هذه الصورة إلى أن السوق لا تتجه إلى خروج جماعي من التكنولوجيا، بل إلى إعادة توزيع داخل القطاع نفسه، بحيث تنتقل السيولة من الأسماء التي ارتفعت سريعاً إلى فرص يُنظر إليها على أنها أكثر جاذبية على المدى المتوسط أو أكثر ارتباطاً بالدورة الصناعية المقبلة.
هونغ كونغ تستعيد بعض الزخم
في هونغ كونغ، تحسّنت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة هناك، والتي كانت قد تأخرت في الأداء مقارنةً بالشركات التكنولوجية المحلية بسبب نقص حضور شركات الأجهزة. وارتفع هذا المؤشر بنسبة 3.7 في المائة بعد أن لامس أدنى مستوياته منذ يناير 2025.
ويُقرأ هذا الارتداد على أنه جزء من عملية تصحيح فني، لكنه يعكس أيضاً استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات الكبرى ذات السيولة المرتفعة والقدرة على جذب رؤوس الأموال عند تحسن المعنويات. ومع ذلك، لا يبدو أن القطاع التكنولوجي في هونغ كونغ قد خرج من مرحلة التقلب، خاصةً مع التنافس المحتدم بين أسهم النمو والأسهم الدفاعية في المنطقة.
الأسواق الآسيوية تترقب تطورات خارجية
استقرت العقود الآجلة للأسهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ مع ميل طفيف نحو الارتفاع، بعد أن ساعدت التقارير التي تحدثت عن تراجع الولايات المتحدة وإيران عن التصعيد في تحسين المزاج العام للأسواق. لكن المتعاملين ما زالوا حذرين، إذ إن استمرار الضعف في أسهم التكنولوجيا قد يضغط على مؤشرات رئيسية في آسيا خلال الجلسات المقبلة.
وتبقى أسواق المنطقة شديدة الحساسية لأي إشارات جديدة تتعلق بالتوترات الجيوسياسية أو بتوقعات أسعار الفائدة الأميركية، لأن هذه العوامل تؤثر مباشرة في تدفقات رأس المال، وفي تقييمات الأسهم عالية النمو، وفي أداء العملات الآسيوية عموماً.
اليوان مستقر وسط ضغط الدولار
على صعيد العملات، بقي اليوان الصيني مستقراً تقريباً أمام الدولار يوم الاثنين، في وقت تراجع فيه الدولار عن أعلى مستوياته في عام. وفتح اليوان في السوق الفورية عند 6.8034 مقابل الدولار، ثم جرى تداوله لاحقاً قرب 6.7984، بانخفاض طفيف لا يتجاوز ست نقاط عن إغلاق الجلسة السابقة. وفي السوق الخارجية، بلغ سعر الصرف 6.8007 يوان للدولار مرتفعاً بنحو 0.06 في المائة.
ويرتبط أداء اليوان حالياً بعاملين متداخلين: الأول هو قوة الدولار المدعومة بتوقعات بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، والثاني هو جهود البنك المركزي الصيني في إدارة السيولة المحلية والحفاظ على استقرار سوق الصرف. وقد أطلق بنك الشعب الصيني عمليات إعادة شراء عكسية لليلة واحدة، في خطوة فسرتها السوق على أنها تعزيز للسيطرة على ظروف السيولة.
كما حدّد البنك المركزي سعر الصرف المتوسط عند 6.8175 يوان للدولار قبل افتتاح التداول، وهو مستوى أقوى من تقديرات السوق. وتسمح آلية التداول لليوان بالتحرك ضمن هامش 2 في المائة صعوداً أو هبوطاً حول هذا السعر المرجعي يومياً.
سياسة البنك المركزي الصيني تظل حاسمة
يُظهر سلوك اليوان أن السياسة النقدية الصينية لا تتحرك بمعزل عن الاتجاهات العالمية، لكنها تحاول في الوقت نفسه تخفيف حدة التقلبات المحلية. ويرى محللون أن ارتفاع الدولار قد يفرض بعض الضغط الهبوطي على العملة الصينية، غير أن العوامل الداخلية، مثل تسوية الشركات لمعاملاتها بالدولار وتحديد نقطة المنتصف اليومية، ما تزال توفر قدراً من الدعم.
وارتفع اليوان بنحو 2.9 في المائة منذ بداية العام، رغم تراجعه بنسبة 0.5 في المائة خلال الشهر الحالي. كما أن الدولار لا يزال في طريقه لتسجيل أكبر مكاسبه الشهرية منذ نحو عام، مدفوعاً بالتوترات في الخليج وتوقعات صدور بيانات وظائف أميركية مؤثرة على مسار الفائدة.
ويبدو أن بنك الشعب الصيني بات أكثر ميلاً لترك العملة تتحرك بصورة أقرب إلى اتجاهات الدولار العالمية، مع تقليص الاعتماد على أدوات التثبيت المباشر. هذا النهج يمنح السلطات مساحة لإدارة المخاطر من دون فرض قيود شديدة على التسعير اليومي، خصوصاً في مرحلة تتسم فيها الأسواق الدولية بسرعة في انتقال العدوى بين الأصول المختلفة.
قراءة أوسع للسوق
تكشف حركة اليوم عن معادلة مألوفة في الأسواق المالية الكبرى: حين تتراجع أسهم التكنولوجيا بعد موجة صعود حادة، تتحرك الأموال نحو القطاعات التقليدية التي تبدو أقل تكلفة وأكثر استقراراً. وفي الحالة الصينية، وجد المستثمرون في الاستهلاك والرعاية الصحية ملاذاً نسبياً، بينما ظل قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي تحت ضغط جني الأرباح وإعادة التقييم.
أما اليوان، فيبقى رهاناً منفصلاً نسبياً، لكنه لا ينفصل تماماً عن مزاج المخاطرة العالمي ولا عن توقعات السياسة النقدية الأميركية. وبين الأسهم والعملات، تعكس السوق الصينية حالياً مرحلة إعادة تموضع أكثر من كونها تحولاً هيكلياً مفاجئاً، مع استمرار الترقب لما ستسفر عنه البيانات والقرارات المقبلة في الداخل والخارج.