واشنطن تغيّر مقاربتها لاتفاق التجارة في أميركا الشمالية
أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تمضي في تجديد اتفاق التجارة الحرة الذي يربطها بكندا والمكسيك وفق صيغته الحالية، في إشارة إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة التفاوض حول واحد من أهم أطر التجارة الإقليمية في العالم. ورغم هذا الموقف، أكدت واشنطن أنها لا تنوي إغلاق الباب أمام الشريكين الجارين، بل تسعى إلى التوصل إلى ترتيبات أفضل تعالج نقاط الخلل في بنود الاتفاق وموازين التبادل التجاري.
ويأتي هذا التطور بعد أن انتهت المهلة المرتبطة بمراجعة الاتفاق، ما يعني أن بقاءه أو تعديله بات مرهوناً بنتائج التفاوض السياسي والتجاري بين الأطراف الثلاثة. وبحسب آلية الاتفاق، كان يفترض اتخاذ قرار بشأن التمديد لمدة 16 عاماً، غير أن الرفض الأميركي يعيد الملف إلى مسار المراجعة السنوية، مع استمرار سريان الاتفاق مؤقتاً إلى أن تتضح الصورة النهائية.
مفاوضات جديدة بعد اجتماع غير حاسم
وجاء الإعلان الأميركي عقب اجتماع عبر الإنترنت بين مسؤولين من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لم يسفر عن اختراق واضح. ووفق التصريحات الأميركية، فإن الجانب الأميركي لم يوافق على الإبقاء على الاتفاق بالشكل القائم، لكنه يتمسك بمواصلة الاتصالات مع أوتاوا ومكسيكو سيتي للوصول إلى تفاهمات أكثر توازناً.
هذا التوجه يعكس رغبة واشنطن في استخدام المفاوضات الحالية لإعادة ضبط بعض البنود التي تراها غير كافية لمعالجة العجز التجاري ومخاوف سلاسل الإمداد. كما يبقي الموقف الأميركي الضغط قائماً على الشريكين الإقليميين، خصوصاً في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الصناعة والتجارة في الدول الثلاث على حركة السلع عبر الحدود.
اتفاق ظل محوراً رئيسياً في التجارة الإقليمية
يُعد الاتفاق من الركائز الأساسية للتجارة في أميركا الشمالية، إذ يربط أكبر اقتصاد في العالم بكل من كندا والمكسيك ضمن إطار يسهّل تدفق البضائع ويحد من القيود الجمركية. وتقول بيانات الطرفين إن أكثر من 80 في المائة من الصادرات المكسيكية والكندية إلى السوق الأميركية تمر عبر هذا الإطار، ما يمنحها حماية واسعة من الرسوم.
ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة لأنه يوضح مدى الترابط بين اقتصادات المنطقة. فالشركات الصناعية وشركات السيارات والمنتجات الزراعية والتقنية تعتمد على هذا المسار التجاري في التوريد والتصنيع والتوزيع. لذلك فإن أي تعديل في شروط الاتفاق أو تمديده من عدمه يمكن أن يترك آثاراً مباشرة على تكلفة الإنتاج وحجم الاستثمارات وخطط التوسع.
الرسوم الجمركية تعود إلى الواجهة
لم يكن الملف التجاري منفصلاً عن سياسة الرسوم الجمركية التي أعادتها واشنطن إلى الواجهة خلال الأشهر الماضية. فقد كانت كندا والمكسيك من أوائل المتأثرين بالإجراءات الحمائية التي فُرضت بعد عودة الإدارة الأميركية إلى البيت الأبيض في عام 2025، في وقت بررت فيه واشنطن سياستها بالحاجة إلى حماية الاقتصاد الأميركي ومعالجة اختلالات التجارة.
وترى الإدارة الأميركية أن هناك حاجة إلى اتفاق أكثر صرامة يراعي المصالح الصناعية والأمن الاقتصادي الأميركي، بينما تعتبر كندا والمكسيك أن الاتفاق الحالي يوفر إطاراً استقرارياً ضرورياً لتدفق التجارة والاستثمار. هذا التباين في الرؤى يجعل التوصل إلى نسخة جديدة أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام مساومات اقتصادية واسعة.
المخاطر على الشركات وسلاسل الإمداد
أي تغيير في قواعد التجارة بين الدول الثلاث قد ينعكس سريعاً على الشركات التي تعمل عبر الحدود. فالمصنعون والموردون وشركات النقل يعتمدون على استقرار الرسوم وقواعد المنشأ لتخطيط الإنتاج وتقدير التكاليف. وإذا ما اتجهت المفاوضات إلى شروط أكثر تشدداً، فقد تضطر الشركات إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد أو تحمل كلفة أعلى في التصدير والاستيراد.
كما أن حالة عدم اليقين نفسها قد تؤثر في قرارات الاستثمار. فالمستثمرون يميلون إلى تفضيل الأطر التجارية الواضحة والطويلة الأجل، لأن ذلك يسهّل بناء مصانع جديدة أو توسيع القدرات الإنتاجية. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي المراجعات المستمرة والتجاذبات السياسية إلى تأخير المشاريع أو نقل جزء منها إلى أسواق بديلة.
المفاوضات الثنائية تتقدم على المسار الثلاثي
تشير الخطوات الأخيرة إلى أن واشنطن باتت تفضّل التفاوض الثنائي مع كل من كندا والمكسيك بدلاً من الاكتفاء بمسار ثلاثي موحد. وقد بدأ بالفعل جهد تفاوضي منفصل مع مكسيكو سيتي، مع تحديد جولة جديدة في العشرين من يوليو، بينما لم يُعلن بعد موعد الجولة المقبلة مع أوتاوا.
هذا التحول يعكس رغبة أميركية في التعامل مع كل ملف تجاري على حدة، سواء ما يتعلق بالعجز التجاري أو بسلوك الواردات أو بآليات الحماية الصناعية. غير أن هذا النهج قد يعقد المشهد الدبلوماسي والتجاري، لأن أي اتفاق نهائي سيحتاج في النهاية إلى التوفيق بين مصالح ثلاث دول مترابطة اقتصادياً.
ما الذي يعنيه القرار لأسواق المنطقة؟
بالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأساسية هي أن مرحلة إعادة صياغة قواعد التجارة في أميركا الشمالية قد بدأت فعلاً. وحتى لو ظل الاتفاق قائماً خلال الفترة الانتقالية، فإن المستثمرين سيبقون في حالة ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة. وهذا الترصد قد يظهر في حركة العملات وأسهم الشركات الصناعية وشركات النقل والسلع الزراعية.
كما أن استمرار الخلاف حول شكل الاتفاق قد يمنح ميزة مؤقتة لبعض القطاعات الأميركية التي تطالب بحماية أكبر، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه تكاليف إضافية على الشركات الأميركية نفسها التي تعتمد على الواردات من الجارتين. ومن هنا، يصبح التوازن بين الحماية والمرونة التجارية العامل الحاسم في المرحلة المقبلة.
في المحصلة، لا يبدو أن الملف يتجه إلى قطيعة تجارية، بل إلى إعادة تفاوض واسعة حول شروط الاستمرار. لكن مجرد رفض التجديد بالشكل الحالي يكفي لإظهار أن واشنطن تريد إعادة تعريف قواعد التبادل مع كندا والمكسيك بما يتوافق أكثر مع أولوياتها الاقتصادية الراهنة.