17-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تركيا ترفض تمديد اتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان بشروطها الحالية

أنقرة تتمسك بإعادة صياغة اتفاق خط أنابيب كركوك-جيهان مع العراق، مع اقتراب انتهاء العمل به في يوليو 2026، وسط خلافات تحكيمية وأهمية متزايدة للممر النفطي العراقي نحو البحر المتوسط.

تتجه العلاقات النفطية بين تركيا والعراق إلى محطة جديدة من التفاوض، مع اقتراب موعد انتهاء اتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان في 27 يوليو 2026، في وقت لا تزال فيه بغداد وأنقرة تبحثان صيغة بديلة تنظم تصدير الخام العراقي عبر هذا المسار الاستراتيجي.

ورغم أهمية الاتفاق بالنسبة للطرفين، نقلت التصريحات التركية موقفاً واضحاً مفاده أن التمديد بالصيغة القائمة لم يعد خياراً مطروحاً. وتقول أنقرة إن الاتفاق الحالي مرّ بمسار تحكيمي لا ترى معه جدوى من الإبقاء عليه دون تعديل جذري، وهو ما يرفع مستوى التعقيد في المفاوضات الجارية.

خط حيوي لصادرات العراق النفطية

يُعد ميناء جيهان أحد المنافذ الأساسية التي يعتمد عليها العراق في تصدير النفط إلى الأسواق الدولية، إلى جانب موانئ وممرات أخرى تتأثر بتقلبات الجغرافيا والسياسة والأمن الإقليمي. وتبرز أهمية هذا الخط بشكل أكبر في ظل التوترات التي أثرت على حركة الشحن في المنطقة، خاصة مع انعكاسات إغلاق مضيق هرمز على تدفقات الطاقة.

هذا الواقع جعل من خط كركوك-جيهان أكثر من مجرد بنية تحتية لنقل الخام؛ إذ تحوّل إلى ورقة اقتصادية وجيوسياسية مرتبطة بأمن الإمدادات العراقية وقدرة بغداد على تنويع منافذ التصدير. كما أنه يمثل لتركيا قناة مهمة في شبكة عبور الطاقة الإقليمية وعلاقة اقتصادية طويلة مع العراق.

أنقرة تطالب بإطار جديد

في العام الماضي، أعلنت تركيا إنهاء الاتفاق السابق المتعلق بالخط وطرحت فكرة تجديده وفق شروط مختلفة. وضمن المقترحات التركية، برزت آلية تهدف إلى ضمان التشغيل الكامل للأنبوب وتحسين الاستفادة من طاقته التصميمية، بما يحد من العمل الجزئي الذي طبع أداءه في السنوات الأخيرة.

وبحسب الموقف التركي المعلن، فإن العودة إلى الاتفاق القديم دون معالجة ما ترتب عليه من نزاعات قانونية لا تبدو عملية. لذلك تفضّل أنقرة التوصل إلى صيغة جديدة تأخذ في الاعتبار الجوانب التشغيلية والتجارية والقانونية معاً، بدلاً من مجرد تمديد نص سابق.

تداعيات التحكيم على مسار المفاوضات

تعطل خط الأنابيب لفترة طويلة بلغت عامين ونصف العام بعد صدور حكم تحكيم قضى بإلزام أنقرة بدفع تعويضات قدرها 1.5 مليار دولار، على خلفية صادرات عراقية غير مصرح بها جرى التعامل معها بين عامي 2014 و2018. وبعد هذا التوقف، استؤنفت التدفقات عبر الخط في أواخر العام الماضي.

لكن الملف لم يُغلق بالكامل. فهناك قضية تحكيم ثانية تشمل الفترة من 2018 وما بعدها، إلى جانب قضية أخرى منظورة أمام محكمة أمريكية تتعلق بإنفاذ حكم التحكيم. وهذه التطورات تجعل أي اتفاق جديد مرهوناً بتسوية أوسع للخلافات القانونية العالقة، وليس فقط بإعادة تشغيل الأنبوب على المستوى الفني.

طاقة كبيرة وعمل أقل من الإمكانات

تبلغ القدرة الاستيعابية لخط كركوك-جيهان نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهي سعة كبيرة تمنح الطرفين هامشاً مهماً في تجارة النفط الإقليمية. إلا أن التشغيل الفعلي لا يصل إلى هذا المستوى، إذ يعمل الخط بأقل بكثير من طاقته الاسمية بسبب مجموعة من المشكلات، بعضها يرتبط بالوضع الأمني وبعضها الآخر بمسائل تشغيلية وتنظيمية.

ويعني ذلك أن أي اتفاق جديد لن يكون مجرد تسوية قانونية، بل فرصة لإعادة النظر في كفاءة البنية التحتية وتوسيع الاستخدام الاقتصادي لها. فالعراق يحتاج إلى منافذ أكثر استقراراً لتأمين إيرادات النفط، بينما تسعى تركيا إلى إطار يضمن وضوحاً قانونياً وعائداً تشغيلياً أفضل من الخط.

ممر طاقة يختبر التوازن الإقليمي

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من إعادة ترتيب مسارات الطاقة في المنطقة، حيث تتقاطع اعتبارات الأسعار والإمدادات والأمن البحري مع الحسابات السياسية والتجارية. وفي هذا المشهد، يبقى خط كركوك-جيهان واحداً من أهم الممرات التي يمكن أن تعزز انسياب النفط العراقي إلى الأسواق إذا تم التوصل إلى تسوية مستقرة.

غير أن استمرار الخلافات التحكيمية واختلاف الرؤى بشأن بنود الاتفاق يؤجلان الوصول إلى حل نهائي. وبينما تقترب المهلة الزمنية لانتهاء الاتفاق الحالي، تبدو المفاوضات مطالبة بإيجاد توازن بين حق العراق في منافذ تصدير موثوقة وحق تركيا في اتفاق منظم قانونياً وعملياً.

وبذلك، لا يقتصر الملف على كونه نزاعاً فنياً حول أنبوب نفط، بل يعكس أيضاً حساسية الاقتصاد الإقليمي تجاه أي خلل في تدفقات الطاقة أو في الإطار القانوني الذي يحكمها.