أجواء حذرة في أوروبا
دخلت الأسهم الأوروبية جلسة الخميس على وقع مزيج من العوامل المتعارضة: نتائج شركات جديدة، نشاط في صفقات الاندماج والاستحواذ، ومخاوف جيوسياسية متصاعدة في الشرق الأوسط. هذا الخليط دفع المستثمرين إلى تبني موقف دفاعي، خصوصاً مع القلق من أن أي اضطراب إضافي في المنطقة قد يرفع تكاليف الطاقة ويعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، تحرك مؤشر ستوكس 600 الأوروبي في نطاق ضيق متراجعاً بنسبة طفيفة بلغت 0.1 في المائة، في إشارة إلى أن السوق تفتقر إلى محفز قوي للاتجاه الصعودي. وتراجعت أغلب القطاعات بصورة محدودة، ما يعكس حالة انتظار أكثر من كونها موجة بيع واسعة.
الرسالة الأبرز من التداولات الأوروبية كانت أن المستثمرين لا يكتفون الآن بقراءة النتائج المالية، بل يقيمون أيضاً أثر التوترات الخارجية على هوامش الربحية، وتكاليف التمويل، ومسار التضخم خلال الأشهر المقبلة.
التكنولوجيا في قلب التباين
برز قطاع التكنولوجيا كأحد أكثر القطاعات تذبذباً خلال الجلسة. فقد استفادت أسهم شركة إيه إس إم إل من بداية إيجابية للتداولات، مع ارتفاعها بنحو 2 في المائة، بينما تعرّضت شركات أخرى في سلسلة الرقائق لضغوط بيعية، من بينها إس تي مايكروإلكترونيكس وبي إي سيمكوندكتور.
هذا التباين لا يعكس ضعفاً في الطلب على البنية التحتية الرقمية بقدر ما يكشف حساسية القطاع لأي تغير في توقعات النمو والإنتاج والأسعار. فبعد موجة صعود طويلة، بات المستثمرون يميزون أكثر بين الشركات القادرة على تحويل الزخم التقني إلى نتائج مستدامة، وتلك الأكثر تعرضاً لتقلبات العرض والطلب.
كما لفتت النتائج القوية لشركة تي إس إم سي التايوانية الانتباه، إذ أعلنت الشركة قفزة قياسية في أرباح الربع الثاني بلغت 77 في المائة، مدعومة باستمرار الطلب على الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لكن هذه النتائج، رغم قوتها، لم تمنع تراجع بعض أسهم القطاع، لأن الأسواق كانت قد سعرت كثيراً من التفاؤل مسبقاً.
صفقات استحواذ تعزز الحركة الفردية للأسهم
على مستوى الشركات، لعبت صفقات الاستحواذ دوراً واضحاً في تحريك بعض الأسهم بشكل منفصل عن اتجاه السوق العام. فقد أعلنت إيه بي بي شراء شركة روتورك المتخصصة في أنظمة الأتمتة مقابل 5.5 مليار دولار، وهو ما جاء بالتزامن مع تجاوز أرباحها التشغيلية التوقعات. ورغم ذلك، تراجع سهم إيه بي بي بنحو 1 في المائة، في حين قفز سهم روتورك 66 في المائة، في دلالة على أن السوق رحبت بقيمة الصفقة أكثر من ترحيبها بتأثيرها على الشركة المشترية.
وفي قطاع توصيل الطعام، تقدمت أوبر بعرض استحواذ عام على ديليفري هيرو، مقدرة قيمة الشركة الألمانية بنحو 14.8 مليار دولار. غير أن سهم ديليفري هيرو لم يشهد ارتداداً كبيراً، إذ انخفض بنحو 1 في المائة بعد مكاسب سابقة غذتها تكهنات بشأن العرض المحتمل. وتوضح هذه التحركات أن المستثمرين صاروا يتعاملون بحذر مع أخبار الصفقات بعد أن أصبحت الأسعار أكثر حساسية للتقييمات النهائية وشروط التنفيذ.
الشرق الأوسط يعيد النفط إلى دائرة القلق
استمرت الأسواق العالمية في مراقبة التطورات الأمنية في الشرق الأوسط، بعدما أثارت الضربات العسكرية الأميركية والإيرانية الأخيرة مخاوف من اتساع رقعة الصراع. ومع بقاء خام برنت قرب 85 دولاراً للبرميل، عاد الحديث مجدداً عن أثر الطاقة على التضخم العالمي، وعن احتمال تأخر أي توجهات لتيسير السياسة النقدية.
وبالنسبة للأسهم، فإن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لا يؤثر فقط في تكاليف الشركات، بل يضغط أيضاً على ثقة المستهلكين وعلى توقعات الأرباح، ما يفسر ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطرة في مثل هذه الفترات.
الاقتصاد الإسرائيلي يتأثر بالحرب
في بيانات اقتصادية متصلة بالمنطقة، أظهر المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي في الربع الأول، وفقاً للتقدير الثالث. وأرجعت البيانات هذا التراجع إلى تأثير الحرب الإسرائيلية - الإيرانية التي انتهت بوقف إطلاق النار في أبريل، حيث تراجع الاستهلاك الخاص والحكومي والصادرات.
ورغم أن الاستثمار في الأصول الثابتة خفف من حدة الانكماش جزئياً، فإن الصورة العامة بقيت سلبية خلال الفترة المذكورة. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى احتمال تعافٍ في الربع الثاني، وسط توقعات بنمو الاقتصاد بنحو 4 في المائة خلال 2026، إذا تحسن النشاط التجاري واستقرت الأوضاع الأمنية.
الأسواق الصينية بين الضغط والدعم
في آسيا، واجهت الأسهم الصينية في البر الرئيسي جلسة ضعيفة تحت ضغط قطاع التكنولوجيا، حيث تراجع مؤشر شنغهاي المركب ومؤشر CSI300 ومؤشرات أخرى مرتبطة بالشركات الناشئة والرقمية. وجاء هذا الضعف امتداداً لموجة بيع ضربت أسهم الرقائق في المنطقة، مع هبوط حاد في أسهم شركات كبرى في كوريا الجنوبية مثل إس كيه هاينكس وسامسونغ إلكترونيكس.
لكن الصورة لم تكن سلبية بالكامل، إذ استفادت أسهم هونغ كونغ من الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وقفز سهم علي بابا بعد إعلان دمج نموذجها كوين مع نظام أبل إنتليجنس داخل أجهزة آيفون وآيباد وماك وفجن برو في الصين. هذا التطور أعاد تسليط الضوء على المنافسة المتسارعة في سوق الخدمات الذكية، وعلى أهمية التكامل بين المنصات المحلية والعالمية في المرحلة المقبلة.
كما عززت التوقعات بأن بكين ستعرض رؤيتها لدور الصين في حوكمة الذكاء الاصطناعي من الاهتمام بالقطاع، بالتزامن مع استعراض هواوي أحدث حلولها الحاسوبية للذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه الخطوات في إطار مسعى أوسع لبناء منظومة تقنية محلية أكثر استقلالاً عن الموردين الأميركيين.
اليوان تحت تأثير التوترات والسياسة النقدية
امتد الحذر أيضاً إلى سوق العملات، حيث تراجع اليوان الصيني أمام الدولار بعد أن لامس في اليوم السابق أعلى مستوى له في شهر. وجاء هذا التراجع في وقت تداخلت فيه العوامل الجيوسياسية مع توقعات السياسة النقدية، إذ دعمت التوترات بين واشنطن وطهران أسعار النفط، بينما ضغط ضعف الدولار عالمياً على تحركات العملات الرئيسية.
وفي المقابل، واصل بنك الشعب الصيني إرسال إشارات إدارة دقيقة لسعر الصرف عبر تحديد متوسط يومي أعلى من توقعات السوق. ويقرأ المستثمرون هذا النهج بوصفه محاولة للحفاظ على الاستقرار ومنع تغيرات حادة قد تربك الأسواق المحلية. كما يعكس ذلك رغبة السلطات في موازنة دعم النمو مع تجنب تقلبات مفرطة في العملة.
إعادة تسعير قطاع الرقائق
رغم أن النتائج التشغيلية في قطاع أشباه الموصلات لا تزال قوية، فإن موجة البيع الأخيرة تشير إلى أن السوق دخلت مرحلة إعادة تسعير أكثر انتقائية. فبعد عام من المكاسب الكبيرة التي غذتها طفرة الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال الرئيسي هو ما إذا كان الطلب موجوداً، بل ما إذا كانت التقييمات الحالية قادرة على استيعاب أي تباطؤ أو زيادة في المعروض.
وقد زاد هذا التحول وضوحاً مع تحسن كفاءة الإنتاج في بعض معدات التصنيع، وهو ما أثار مخاوف من أن يتحول نقص المعروض، الذي دعم الأسعار في السنوات الماضية، إلى فائض جزئي يضغط على الهوامش. لذلك، أصبحت الأخبار الإيجابية في بعض الأحيان سبباً في الهبوط، إذا فسّرها المستثمرون على أنها مقدمة لتراجع الأرباح المستقبلية.
بهذه الخلفية، تبدو الأسواق العالمية في مرحلة انتقالية: لا تزال تستفيد من قوة أرباح الشركات الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تعيد تقييم المخاطر المرتبطة بالطاقة والتضخم والتوترات الجيوسياسية والتغيرات السريعة في قطاع التكنولوجيا. وما بين هذه العوامل، يبقى الحذر هو القاسم المشترك الأوضح في حركة المستثمرين.