18-Jul-2026 5 دقائق قراءة

مصر تبحث مع البنك الدولي دعم الأمن المائي عبر تحديث الري والتحول الرقمي

تتحرك مصر لتعزيز شراكتها مع البنك الدولي في مشروعات المياه والزراعة، مع التركيز على تحديث نظم الري، وإعادة استخدام المياه، والتحول الرقمي، بهدف تقليص الفجوة المائية ودعم الأمن الغذائي.

تسعى مصر إلى توسيع تعاونها مع البنك الدولي في ملفات المياه والزراعة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على مواردها المائية وتتعاظم الحاجة إلى حلول تمويلية وفنية تعزز كفاءة الاستخدام وتحد من الفاقد. وتضع القاهرة ضمن أولوياتها تطوير البنية المائية، ورفع كفاءة الري، وتوسيع إعادة الاستخدام، إلى جانب إدخال أدوات رقمية أكثر تقدماً في إدارة الموارد.

وتأتي هذه الخطوة بينما تشير التقديرات الرسمية إلى أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل لتأمين احتياجاتها المائية، مع محدودية الأمطار وتراجع نصيب الفرد إلى مستوى دون خط الفقر المائي العالمي. وفي هذا السياق، تبحث الحكومة عن شراكات دولية تساعدها على سد الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتنامية للزراعة والسكان والصناعة.

أجندة تعاون تمتد من الري إلى المناخ

خلال زيارة وفد من البنك الدولي إلى القاهرة، عقد مسؤولون من المؤسسة الدولية اجتماعات مع وزيري الموارد المائية والري والزراعة واستصلاح الأراضي، بهدف بحث مسارات تعاون جديدة تدعم الاستدامة المائية والزراعية. وتركزت المناقشات على مشروعات عملية يمكن أن ترفع كفاءة الشبكات المائية وتخفف الضغط على الموارد التقليدية.

ومن بين الملفات المطروحة، تطوير نظم الري، وإدارة المياه الجوفية بصورة أكثر استدامة، والتوسع في استخدام الموارد غير التقليدية، مثل المعالجة وإعادة الاستخدام، إضافة إلى دعم مشروعات البنية التحتية المرتبطة بتوصيل المياه ونقلها وتقليل الفاقد.

كما شملت المحادثات ملف التكيف مع تغير المناخ، وهو عنصر يزداد وزنه في السياسات المائية، خصوصاً مع تصاعد التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع كلفة إدارة الموارد في البيئات الجافة وشبه الجافة.

الفجوة المائية تدفع إلى حلول تمويلية وفنية

تواجه مصر فجوة سنوية كبيرة بين الموارد المائية والاستهلاك، وهو ما يدفعها إلى تبني مزيج من السياسات يجمع بين الترشيد، وإعادة التدوير، وتحسين البنية التحتية، وإدخال تكنولوجيا القياس والتنبؤ. وتشمل هذه السياسات التوسع في معالجة مياه الصرف الزراعي واستخدامها من جديد في أغراض الزراعة، بما يخفف من الضغوط على المياه العذبة.

كما تدرس الدولة مفهوم «المياه الافتراضية» بوصفه جزءاً من إدارة الطلب، أي الاعتماد بدرجة أكبر على استيراد جزء من الاحتياجات الغذائية لتقليل الاستنزاف المحلي للمياه. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره أداة اقتصادية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي، لأنه يربط قرارات التجارة بقرارات إدارة الموارد الطبيعية.

وفي المقابل، يظل تحسين كفاءة الشبكات القائمة أحد أكثر المسارات تأثيراً، لأن تقليل الفاقد في الترع والقنوات ومحطات الرفع يمكن أن يحقق وفراً ملموساً دون الحاجة إلى زيادة الموارد المتاحة فعلياً.

التحول الرقمي يدخل إدارة المياه

أحد أبرز محاور التعاون المقترح مع البنك الدولي يتمثل في التحول الرقمي داخل قطاع المياه. ويشمل ذلك استخدام أدوات البيانات والاستشعار والتنبؤ لتحسين إدارة التوزيع، ومراقبة الاستخدام، وتقييم الاحتياجات في الوقت شبه الفعلي. مثل هذه الأدوات يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن التوزيع الموسمي، والصيانة، والتعامل مع المناطق الأعلى استهلاكاً أو الأكثر تعرضاً للهدر.

كما يفتح التحول الرقمي الباب أمام رفع كفاءة التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، خاصة في المشروعات المرتبطة بالري الحديث، وإعادة استخدام المياه، وإدارة الأصول المائية. ويُتوقع أن ينعكس ذلك على جودة التخطيط الاستثماري، وعلى قدرة المؤسسات على تتبع الأداء وقياس الأثر بشكل أوضح.

وتحظى هذه الملفات بأهمية خاصة في الاقتصاد المصري، لأن الزراعة ما زالت من أكثر القطاعات تأثراً بأي تغير في إتاحة المياه أو تكلفتها، ما يجعل التحسين التكنولوجي في هذا المجال ذا أثر مباشر على الإنتاج والدخل الريفي.

الزراعة وسلاسل القيمة على جدول الأعمال

لم يقتصر الحوار مع البنك الدولي على المياه وحدها، بل امتد إلى الزراعة وسلاسل القيمة المرتبطة بها. وناقش الجانبان سبل دعم التعاونيات الزراعية، وتطوير البنية الرقمية العامة للخدمات الزراعية، وتحديث نظم الري والصرف، بالإضافة إلى دعم البحث والتطوير في سلاسل الإمداد والإنتاج الغذائي.

كما جرى بحث سبل سد فجوة المهارات في قطاعي الزراعة والأعمال الزراعية عبر برامج الإرشاد والتدريب، إلى جانب دعم النظام المالي للمزارعين، بما يسهّل وصولهم إلى أدوات تمويل أفضل وأكثر ملاءمة لطبيعة نشاطهم. وتعد هذه النقطة مهمة لأن صغار المزارعين غالباً ما يواجهون قيوداً في التمويل والتكنولوجيا والأسواق.

ومن بين الأولويات أيضاً تهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الخاص في الغذاء والزراعة، وهي خطوة مرتبطة بتطوير سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التخزين والتصنيع والنقل. وكلما ارتفعت كفاءة هذه السلاسل، زادت قدرة القطاع على امتصاص الصدمات المرتبطة بالمياه والمدخلات والأسعار.

البنك الدولي كجهة تمويل وشريك تنموي

يرى خبراء في الموارد المائية والاقتصاد الزراعي أن الشراكة مع البنك الدولي قد تمنح المشروعات المصرية تمويلاً وخبرة فنية في آن واحد. فالمؤسسة الدولية لا توفر فقط القروض أو أدوات التمويل، بل تسهم أيضاً في تصميم البرامج وقياس الأداء ومتابعة التنفيذ، وهو ما يعد مهماً في المشروعات المعقدة المرتبطة بالمياه.

ويشير هذا المنظور إلى أن أثر التعاون قد يظهر في تحديث القناطر، وتبطين الترع، وصيانة المنشآت المائية، وتحسين أنظمة الضخ والإنذار والتنبؤ، فضلاً عن رفع كفاءة إدارة نهر النيل والسدود والمنشآت الداعمة لشبكة المياه. وتُعد هذه الاستثمارات من النوع الذي ينعكس تدريجياً على الإنتاجية الزراعية وتقليل الخسائر التشغيلية.

أما على المستوى الاقتصادي الأوسع، فإن دعم الأمن المائي يُنظر إليه كجزء من حماية الاستقرار التنموي، لأن أي تحسن في إدارة المياه ينعكس على الزراعة والغذاء والعمالة الريفية وسلاسل التوريد. ولذلك يبدو ملف المياه في مصر اليوم أقرب إلى قضية بنية تحتية واقتصاد وإدارة رقمية، وليس مجرد ملف بيئي أو فني منفصل.

ومع استمرار الضغوط على الموارد، تتجه القاهرة إلى بناء مزيج سياساتي يعتمد على التمويل الدولي، والتكنولوجيا، وترشيد الاستهلاك، وإعادة الاستخدام، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة تحديات الشح المائي خلال السنوات المقبلة.