عودة الأسعار إلى مستوى 650 دولاراً
سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا موجة صعود جديدة مع افتتاح تداولات العقود الآجلة لشهر أغسطس على مؤشر TTF الهولندي عند 639.7 دولار لكل ألف متر مكعب، بزيادة 2.4% عن الجلسة السابقة. ومع استمرار التداول خلال اليوم، اتسع الارتفاع ليصل المؤشر إلى 652.5 دولار بحلول الساعة 16:16 بتوقيت موسكو، أي بزيادة 4.5% مقارنة بسعر التسوية السابق البالغ 624.6 دولار.
وبهذا الارتفاع تكون الأسعار قد اخترقت مستوى 650 دولاراً لكل ألف متر مكعب للمرة الأولى منذ 30 مارس، في تطور يعكس استمرار حالة التذبذب الحاد في السوق الأوروبية للغاز.
عوامل جيوسياسية وأثر مباشر على الإمدادات
بدأ المسار الصعودي لأسعار الغاز في أوروبا في 2 مارس، وهو أول يوم تداول بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026. وقد دفعت المخاوف المرتبطة بتطورات المنطقة المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر في سوق الطاقة، خاصة في ظل اعتماد أوروبا على الواردات وارتباطها الوثيق بحركة الإمدادات العالمية.
وفي 19 مارس، وصلت الأسعار إلى أعلى مستوى لها منذ بداية النزاع عند 853.7 دولار لكل ألف متر مكعب، بعد أن خفضت قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، إنتاجها بشكل حاد. وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على السوق، ورفع مستويات القلق بشأن توافر الشحنات في الأمد القريب.
تقلبات شهرية تعكس هشاشة السوق
تظهر البيانات أن سوق الغاز الأوروبية لم تدخل في مسار مستقر خلال الأشهر الأخيرة، بل ظلت تتحرك ضمن موجات صعود وهبوط متتالية. ففي مارس، قفز متوسط الأسعار بنحو 60% مقارنة بشهر فبراير، ثم تراجعت في أبريل بنسبة 14%، قبل أن تعود للارتفاع في مايو بنسبة 5%، ثم تنخفض مجدداً في يونيو بنسبة 6%.
هذا النمط من الحركة يشير إلى أن السوق ما زالت شديدة الحساسية تجاه الأخبار السياسية وتغييرات الإنتاج والتدفقات التجارية، وأن أي اضطراب في الإمدادات يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار الفورية والعقود الآجلة.
مستويات تاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة السوقية
ورغم الارتفاعات الأخيرة، فإن أسعار الغاز في أوروبا لا تزال أقل بكثير من الذروة التاريخية التي سُجلت في بداية ربيع 2022، عندما بلغت 3892 دولاراً لكل ألف متر مكعب. ومع ذلك، تبقى المستويات الحالية مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة، خصوصاً إذا ما قورنت بالفترة التي سبقت أزمة الطاقة.
وتشير هذه المقارنة إلى أن السوق الأوروبية لم تعد تتعامل مع الغاز باعتباره سلعة مستقرة السعر، بل أداة تتأثر بمجموعة معقدة من العوامل تشمل الجغرافيا السياسية، ومستويات الإنتاج، وتدفق الغاز الطبيعي المسال، وحجم المخزونات الموسمية.
تأثير مباشر على الشركات والمستهلكين
يمثل تجاوز حاجز 650 دولاراً إشارة مهمة للشركات العاملة في الصناعة والطاقة والنقل، إذ إن استمرار الأسعار المرتفعة قد يزيد تكاليف التشغيل ويضغط على هوامش الربح، خاصة لدى القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. كما يمكن أن ينعكس ذلك على أسعار الكهرباء والتدفئة في بعض الأسواق الأوروبية، إذا استمرت موجة الارتفاع لفترة أطول.
أما على مستوى السياسات الاقتصادية، فإن استمرار التقلبات يضع الحكومات الأوروبية أمام تحديات إضافية تتعلق بأمن الإمدادات، ومستويات التخزين، وآليات موازنة السوق خلال فترات الذروة الموسمية. وفي ظل هذه الظروف، يصبح تتبع المؤشرات اليومية للعقود الآجلة عنصراً أساسياً لفهم اتجاهات سوق الطاقة في القارة.
ما الذي يراقبه المتعاملون الآن؟
يركز المتعاملون في الوقت الراهن على ثلاثة مسارات رئيسية: تطور الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال، ومستوى الإنتاج لدى كبار الموردين، ومدى استمرار التوترات الجيوسياسية التي تضغط على سلاسل التوريد. كما تظل حالة المخزون الأوروبي عاملاً مؤثراً في تحديد اتجاه الأسعار خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الفصول التي يزداد فيها الطلب عادة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن سوق الغاز الأوروبية ستبقى معرضة لمزيد من التقلبات، ما لم تظهر مؤشرات واضحة على استقرار الإمدادات أو تراجع حدة المخاطر المحيطة بالسوق.