أظهر تقرير حديث صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عادت إلى النمو خلال عام 2025 بعد عامين متتاليين من التراجع، لكن هذا التحسن جاء بطيئاً ومحدوداً، وظل بعيداً عن تكوين دورة توسع واسعة ومستدامة في الأسواق العالمية.
وبحسب التقرير، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 6 في المائة ليصل إلى 1.6 تريليون دولار، وهو مستوى يعكس عودة جزئية للزخم الاستثماري، غير أن البيانات تكشف في الوقت نفسه عن اختلالات عميقة في التوزيع الجغرافي والقطاعي، بما يجعل التعافي الحالي أكثر هشاشة مما يوحي به الرقم الإجمالي.
تركيز مرتفع في عدد محدود من الدول
يشير التقرير إلى أن 20 دولة فقط استحوذت على أكثر من 80 في المائة من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية خلال العام الماضي، وهو ما يعني أن معظم الاقتصادات الأخرى استفادت من الارتفاع بصورة محدودة جداً. هذا التركيز يبرز أن تدفقات رأس المال الدولي لا تتحرك بالتساوي، بل تذهب في الغالب إلى الأسواق الأكبر حجماً والأكثر قدرة على استيعاب الاستثمارات عالية القيمة.
وفي الاقتصادات المتقدمة، ارتفعت التدفقات بنسبة 11 في المائة، بينما لم تتجاوز الزيادة في الاقتصادات النامية 2 في المائة فقط، رغم أن هذه المجموعة ما زالت تستقبل أكثر من نصف الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي. وحصلت الاقتصادات النامية مجتمعة على 901 مليار دولار، لكن التوزيع داخلها بقي غير متوازن على نحو واضح.
وسجلت آسيا النامية 644 مليار دولار لتبقى أكبر منطقة جاذبة للاستثمارات، في حين ارتفعت التدفقات إلى أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 14 في المائة لتصل إلى 188 مليار دولار. أما أفريقيا فاستقطبت نحو 70 مليار دولار، بينما بلغت التدفقات إلى الدول الأقل نمواً 43 مليار دولار، أي ما يعادل 2.7 في المائة فقط من الإجمالي العالمي.
الذكاء الاصطناعي يقود موجة الاستثمار
يرى التقرير أن الزيادة في قيمة المشروعات الاستثمارية لم تكن ناتجة عن توسع واسع عبر مختلف القطاعات، بل جاءت مدفوعة في الأساس بمشروعات مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وعلى وجه الخصوص مراكز البيانات. كما ساهمت قطاعات النفط والغاز وأشباه الموصلات في دعم الأرقام الإجمالية.
في المقابل، تراجعت أو بقيت ضعيفة قطاعات أخرى مهمة مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والتصنيع. ويعني ذلك أن موجة الاستثمار الحالية لا تعكس انتعاشاً متوازناً في الاقتصاد الحقيقي، بل تشير إلى تركّز متزايد في المجالات ذات الطابع التكنولوجي أو كثيف رأس المال، وهو ما يرفع الفجوة بين القطاعات الرابحة وتلك التي لا تزال تبحث عن التمويل.
ويحذر التقرير من أن هذا النمط قد يزيد المنافسة العالمية على الأصول الاستراتيجية، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة رأس المال وتشدد شروط التمويل واشتداد السباق التكنولوجي بين الاقتصادات الكبرى. كما أن توسع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لا ينعكس تلقائياً على بقية الأنشطة الإنتاجية أو على خلق فرص متوازنة في مختلف المناطق.
بيئة استثمارية أكثر تعقيداً
بحسب الأونكتاد، لا يزال المستثمرون يتعاملون مع درجة مرتفعة من عدم اليقين نتيجة التوترات الجيوسياسية، وتغير السياسات التجارية، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الاقتراض. وهذه العوامل مجتمعة تحد من قدرة الشركات على إطلاق مشروعات جديدة، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وآجال استرداد طويلة.
وأشار التقرير إلى أن نشاط إطلاق المشروعات الجديدة ظل ضعيفاً في كثير من المجالات، ما يوضح أن الارتفاع في التدفقات المالية لا يترجم بالضرورة إلى توسع فعلي في الطاقة الإنتاجية أو في الاستثمار المباشر طويل الأمد. وهذه نقطة مهمة للمستثمرين وصناع السياسات، لأن نمو القيم المعلنة قد يخفي فتوراً في الاقتصاد الحقيقي.
سياسات حكومية أكثر تدخلاً
أظهر التقرير أيضاً أن الحكومات باتت أكثر ميلاً إلى توجيه حركة الاستثمار عبر السياسات العامة. فقد شهد العام الماضي تنفيذ 229 إجراءً جديداً في سياسات الاستثمار، وهو أعلى مستوى يسجل حتى الآن. ورغم أن معظم هذه الإجراءات بقي داعماً للمستثمرين، فإن جزءاً متزايداً منها بات يهدف إلى استقطاب الاستثمارات نحو الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز الأولويات الاقتصادية المحلية، أو التعامل مع اعتبارات الأمن الاقتصادي.
هذا التحول يعكس تراجع النموذج التقليدي المفتوح بالكامل أمام رؤوس الأموال، وصعود مقاربة أكثر انتقائية تربط الاستثمار بالأهداف الصناعية والتكنولوجية والأمنية. وفي اقتصاد رقمي سريع التحول، أصبحت الدول ترى في الاستثمارات الكبرى وسيلة لتعزيز السيادة التقنية، وليس فقط لزيادة رأس المال الأجنبي.
لكن هذه السياسة قد تخلق تحديات إضافية أمام الاقتصادات النامية التي لا تملك القدرة نفسها على تقديم حوافز مالية أو بنية تحتية متقدمة أو منظومات بحث وتطوير ضخمة. لذلك، قد تجد كثير من هذه الدول نفسها في موقع تنافسي أضعف عند محاولة جذب المشروعات المرتبطة بالتقنيات المتقدمة.
فرص ومخاطر أمام الاقتصادات النامية
يخلص التقرير إلى أن التحولات الجارية في الاستثمار العالمي تحمل فرصاً واضحة لبعض الدول النامية، خصوصاً تلك التي تمتلك أسواقاً واسعة أو موقعاً جغرافياً مناسباً أو قدرة على توفير بيئة تنظيمية مستقرة. غير أن الأونكتاد تحذر في المقابل من أن دولاً أخرى قد تتخلف عن الركب إذا استمرت الاستثمارات في التركز داخل عدد محدود من الشركات والقطاعات والمراكز المالية.
وترى الوكالة أن الاعتماد المتزايد على رأس المال والتكنولوجيا، إلى جانب اتساع دور الدعم الحكومي في السياسات الصناعية، يجعل المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الاقتصادات التي لا تملك موارد مالية كبيرة أو قواعد صناعية متقدمة. وهذا يعني أن الفجوة الاستثمارية قد تتسع إذا لم تُدعَّم بأدوات تمويل وتنمية ونقل معرفة أكثر فعالية.
كما أن تركّز الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من النمو في بعض الأسواق، لكنه في الوقت نفسه قد يرسخ مركزية التكنولوجيا في عدد محدود من الاقتصادات، ويزيد صعوبة وصول الدول الأقل نمواً إلى سلاسل القيمة العالية.
قراءة اقتصادية أوسع للمشهد
يعكس التقرير، في جوهره، أن الاقتصاد العالمي لا يعيش موجة توسع استثماري شاملة، بل إعادة تموضع لرأس المال نحو قطاعات مختارة ذات عائد استراتيجي مرتفع. وهذا النمط يتماشى مع التحول الجاري في الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات تمثل محركات رئيسية لتدفقات الأموال، بينما تتراجع جاذبية قطاعات تقليدية أو طويلة الأجل مثل البنية التحتية والطاقة المتجددة في بعض الأسواق.
وبالنسبة إلى صناع القرار، فإن الرسالة الأساسية للتقرير هي أن جذب الاستثمار لم يعد مرتبطاً فقط بالحوافز الضريبية أو الانفتاح التجاري، بل بقدرة الدولة على توفير منظومة متكاملة تشمل الطاقة والاتصال والمهارات الرقمية والتمويل المستقر والتشريعات الواضحة. وفي عالم يتسم بتنافس تكنولوجي متسارع، قد يصبح الفارق الحقيقي بين الدول هو مدى جاهزيتها لاحتضان الاستثمارات الرقمية الكبرى.
ورغم أن عام 2025 شهد عودة النمو إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن الأرقام لا تزال تشير إلى تعافٍ انتقائي يفضّل الأسواق الأقوى والأكثر جاهزية. أما الاقتصادات التي تبحث عن موطئ قدم في هذا المشهد، فستحتاج إلى سياسات أكثر مرونة واستثماراً أكبر في البنية التحتية الرقمية والقدرات البشرية إذا أرادت الاستفادة من الدورة المقبلة للنمو العالمي.