تشهد أسواق التكنولوجيا العالمية مرحلة إعادة تقييم لواحدة من أكبر موجات الإنفاق في الاقتصاد الرقمي، بعدما بدأت مؤشرات على أن طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تقترب من نقطة تباطؤ، بينما يبدل المستثمرون مواقعهم بين المستفيدين المباشرين من بناء البنية التحتية وبين الشركات التي قد تجني العوائد لاحقاً من الاستخدام التجاري للتقنية.
وخلال العامين الماضيين، كان الرهان الغالب في الأسواق يقوم على أن شركات الحوسبة السحابية الكبرى ستواصل رفع إنفاقها على مراكز البيانات والمعالجات المتقدمة، وهو ما دفع أسهم شركات الرقائق والموردين الصناعيين إلى موجة صعود قوية. لكن مع تضخم التوقعات وارتفاع التقييمات، بدأ بعض مديري الأصول يخففون انكشافهم على هذا الجزء من السوق، ويفضلون توزيع المخاطر على قطاعات أوسع.
تباطؤ متوقع في الإنفاق الرأسمالي
تقديرات المؤسسات المالية تشير إلى أن الإنفاق الرأسمالي من جانب الشركات السحابية العملاقة لا يزال في مسار نمو قوي هذا العام، لكنه قد يفقد زخمه تدريجياً في السنوات التالية. ووفقاً لتقديرات مصرف «يو بي إس»، من المنتظر أن يرتفع هذا الإنفاق بنحو 76 في المائة في العام الحالي ليصل إلى 673 مليار دولار، قبل أن يتراجع معدل النمو إلى 25 في المائة في العام المقبل، ثم إلى 6 في المائة فقط بحلول 2028.
هذه الأرقام تعني أن المرحلة الأكثر حدة في بناء مراكز البيانات وشبكات الحوسبة قد تكون وصلت إلى ذروتها أو تقترب منها، وهو ما يضع شركات أشباه الموصلات أمام تحدي جديد: فأسعار أسهمها تحركت على افتراض استمرار الطلب المرتفع بوتيرة متسارعة، بينما قد يصبح النمو أكثر اعتدالاً من السابق.
ويحذر بعض مديري المحافظ من أن توقف الشركات السحابية الكبرى عن زيادة إنفاقها بنفس القوة السابقة قد يكون خبراً إيجابياً لتلك الشركات من حيث الانضباط المالي، لكنه في الوقت نفسه يشكل إشارة سلبية لموردي الرقائق ومعدات التصنيع الذين يعتمدون على هذا الطلب في دعم الإيرادات والنمو.
أسهم الرقائق تحت ضغط التقييمات
الارتفاع الكبير في أسهم أشباه الموصلات خلال الفترة الماضية جعل هذا القطاع من أكثر الزوايا ازدحاماً في الأسواق. فقد تضاعف مؤشر «فيلادلفيا» لأشباه الموصلات خلال العام الماضي تقريباً، رغم أنه تراجع لاحقاً عن ذروته المسجلة في يونيو. وعلى أساس المقارنة مع مؤشرات أوسع، ظل أداء القطاع متقدماً بفارق واضح على الأسواق الأميركية والأوروبية التقليدية.
لكن هذا الأداء القوي أتى مع كلفة واضحة: ارتفعت المخاوف من أن تكون التقييمات قد سبقت الأساسيات. ووفق استطلاع «بنك أوف أميركا» لمديري الصناديق في يوليو، اعتبر 82 في المائة من المشاركين أن أسهم أشباه الموصلات هي الصفقة الأكثر ازدحاماً في السوق، في إشارة إلى أن المراكز الشرائية باتت مكتظة وأن مساحة المفاجأة الإيجابية أصبحت أضيق.
هذا التراكم في الرهانات يدفع بعض المستثمرين إلى اتخاذ نهج دفاعي، سواء عبر تقليص الوزن النسبي للرقائق أو باستخدام أدوات تحوط مثل عقود البيع. وفي المقابل، يبقى السؤال الأساسي: هل يكفي استمرار الطلب على القدرات الحاسوبية للحفاظ على الزخم الحالي، أم أن السوق دخلت بالفعل مرحلة إعادة تسعير أوسع؟
تحول في وجهة الأموال نحو السحابة والبرمجيات
مع اتساع المخاوف من المبالغة في أسعار أسهم الرقائق، بدأ عدد من مديري الصناديق بنقل جزء من مراكزهم إلى الشركات التي تتحمل الإنفاق الفعلي على بناء البنية التحتية، وعلى رأسها شركات الحوسبة السحابية الكبرى. كما زاد الاهتمام بأسهم البرمجيات والقطاعات التي يرجح أن تستفيد من دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال اليومية، مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية.
هذا التحول يعكس قراءة جديدة لطبيعة دورة الذكاء الاصطناعي. ففي البداية، كانت الأرباح السريعة تتركز في الشركات التي تبيع العتاد: الرقائق، الذاكرات، ومعدات التصنيع. لكن مع نضوج السوق، قد ينتقل مركز الثقل إلى الشركات القادرة على تحويل هذه القدرات إلى خدمات مدفوعة أو تحسينات تشغيلية أو نماذج أعمال أكثر كفاءة.
بعض المستثمرين يفضلون اليوم شركات تجمع بين الثقل المالي والقدرة على تحقيق العائد من الذكاء الاصطناعي عبر خدمات قائمة، بدلاً من الاعتماد الكامل على التوسع في شراء المعدات. وتبرز هنا شركات السحابة الضخمة كمرشحة للاستفادة من الطلب، حتى لو تباطأ معدل الإنفاق نفسه.
التمويل الخارجي يضيف طبقة جديدة من المخاطر
في المراحل الأولى من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، اعتمدت الشركات السحابية الكبرى بدرجة كبيرة على تدفقاتها النقدية الخاصة. لكن مع تضخم حجم المشاريع، بدأت هذه الشركات تلجأ بشكل متزايد إلى التمويل الخارجي، بما في ذلك أسواق السندات.
هذا التحول فتح باباً جديداً للأسئلة حول قدرة أسواق رأس المال على مواصلة تمويل إنفاق بهذا الحجم من دون أي تباطؤ في الطلب أو ارتفاع ملحوظ في كلفة التمويل. فإذا أصبحت السوق أقل تقبلاً لإصدارات الديون الضخمة، فإن وتيرة التوسع قد تتعرض لضغط مباشر.
وتشير بيانات مصرفية واستثمارية إلى أن إصدارات الشركات الكبرى وجدت قبولاً جيداً في البداية، لكن مؤشرات التغطية بدأت تضعف في الآونة الأخيرة، ما يوحي بأن شهية المستثمرين لم تعد بالاتساع نفسه. وفي حال تزايدت الضغوط على هوامش التمويل، فقد تضطر الشركات إلى تبني نهج أكثر تحفظاً في توسيع استثماراتها.
عوامل تنظيمية ومحلية قد تبطئ النمو
إلى جانب المخاطر المالية، يواجه قطاع مراكز البيانات تحديات تنظيمية ومجتمعية متصاعدة. فالمعارضة المحلية لمشاريع المراكز الجديدة تتوسع في عدد من الولايات الأميركية، بسبب المخاوف من استهلاك الكهرباء والمياه، وتأثير المنشآت الضخمة على البيئة المحلية والبنية التحتية.
وتقدّر بعض الدراسات أن نسبة كبيرة من مشاريع مراكز البيانات تواجه شكلاً من أشكال الاعتراض أو العرقلة. كما اتخذت ولاية نيويورك خطوة غير مسبوقة عبر فرض تجميد مؤقت على إنشاء مراكز بيانات جديدة كبيرة لمدة عام، في رسالة واضحة إلى أن البيئة التنظيمية قد تصبح أكثر تشدداً.
هذه التطورات لا تعني توقف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنها قد تغير سرعته ومساره الجغرافي. فكل تأخير تنظيمي أو قيود محلية قد يرفع الكلفة النهائية للمشاريع ويؤثر في الجدول الزمني لتشغيلها، وهو ما ينعكس في النهاية على سلاسل التوريد المرتبطة بها.
هل انتهت موجة الرقائق؟
رغم كل المخاوف، لا يرى كثير من المستثمرين أن موجة الذكاء الاصطناعي انتهت. الطلب على قدرة الحوسبة لا يزال قوياً، والشركات الكبرى ما زالت تشير في تصريحاتها إلى استمرار الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية. لكن الفارق اليوم أن السوق باتت أقل استعداداً لمنح التقييمات نفسها التي كانت سائدة عندما كانت وتيرة الإنفاق تتسارع بلا توقف.
الأسهم التي قادت الصعود سابقاً قد لا تكون الوجهة الوحيدة في المرحلة المقبلة. إذ يبدو أن السوق تتجه إلى توزيع المكاسب على نطاق أوسع، ليشمل شركات السحابة، والبرمجيات، والأمن السيبراني، ومعدات التبريد، وحتى بعض القطاعات التقليدية التي تبدأ في دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها.
وفي هذا السياق، قد يكون التحدي الأكبر أمام المستثمرين هو الانتقال من منطق الرهان على موجة واحدة إلى منطق بناء محفظة تستفيد من أكثر من طبقة داخل اقتصاد الذكاء الاصطناعي. فبعض المكاسب ستأتي من البنية التحتية، وبعضها الآخر من التطبيقات، والبعض الثالث من الشركات القادرة على تحويل التقنية إلى إنتاجية وربحية.
بكلمات أخرى، لم تعد القصة مجرد سباق على شراء الرقائق الأكثر تقدماً، بل أصبحت مسألة أوسع تتعلق بمن يملك القدرة على تحويل الإنفاق الهائل إلى تدفقات أرباح مستدامة. وهذا التحول في النظرة هو ما يدفع المستثمرين الآن إلى إعادة ترتيب رهاناتهم بهدوء، قبل أن يقرر السوق نفسه أين ستتوزع القيمة الحقيقية في الدورة المقبلة.