19-Jul-2026 5 دقائق قراءة

أسعار النحاس تقفز إلى أعلى مستوى في 3 أسابيع بدعم من الطلب الصيني ومخاوف الإمدادات

ارتفعت أسعار النحاس إلى أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع مع تحسن مؤشرات الطلب في الصين وتشدد المعروض الفوري، فيما زادت التوترات الجيوسياسية من مخاوف اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

النحاس يواصل الصعود في لندن وشنغهاي

سجلت أسعار النحاس مكاسب جديدة يوم الثلاثاء، لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاثة أسابيع، في تحرك يعكس تداخل أكثر من عامل داعم في وقت واحد، من بينها تحسن مؤشرات الطلب في الصين، وتراجع الدولار الأميركي، وتشدد المعروض المتاح في السوق الفورية.

وارتفع العقد القياسي للنحاس لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 13601 دولاراً للطن المتري، وهو أعلى مستوى منذ 23 يونيو. وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، صعد العقد الأكثر تداولاً بنسبة 1.1 في المائة إلى 104390 يواناً للطن، ما يشير إلى تحسن واضح في شهية الشراء داخل أكبر سوق استهلاكية للمعادن في العالم.

وقالت إيفا مانثي، استراتيجية السلع في بنك «آي إن جي»، إن النحاس يستفيد من مزيج يجمع بين بيانات صادرات قوية في الصين وتضييق فعلي في السوق، وهو ما يعزز الأسعار في الأجل القصير.

الصادرات الصينية تعزز معنويات السوق

جاء الدعم الأبرز من البيانات التجارية الصينية التي أظهرت نمو الصادرات في يونيو بأفضل وتيرة خلال أربعة أشهر. وبحسب الأرقام الرسمية، ارتفعت صادرات ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 27 في المائة على أساس سنوي من حيث القيمة الدولارية، متجاوزة توقعات السوق ومرتفعة من 19.4 في المائة في مايو.

كما قفزت الواردات بنسبة 36 في المائة، وهو أعلى نمو في خمس سنوات، ما فاق تقديرات الاقتصاديين أيضاً. ورغم أن هذا التحسن لا يعني بالضرورة تعافياً كاملاً في الطلب المحلي، فإنه يعكس قوة واضحة في قطاع التصنيع والتجارة الخارجية، وهما عنصران يرتبطان مباشرةً بحركة المعادن الصناعية مثل النحاس.

ويظل النحاس من أكثر المعادن حساسية لأي تغير في النشاط الصناعي العالمي، نظراً لاستخدامه الواسع في الكهرباء والبناء والإلكترونيات والبنية التحتية، وهو ما يجعل بيانات التجارة الصينية مؤشراً مهماً لاتجاهاته السعرية.

تشدد المعروض وانخفاض المخزونات يدعمان الأسعار

إلى جانب البيانات الصينية، أسهمت مؤشرات السوق الفعلية في زيادة الدعم للأسعار. فقد ارتفعت العلاوة التي يدفعها المشترون في السوق الفورية فوق أسعار شنغهاي إلى 215 يواناً للطن، مقارنة بمستوى صفر في نهاية يونيو، لتسجل أعلى مستوى منذ أواخر فبراير.

وتعني هذه العلاوة أن المشترين باتوا مستعدين لدفع سعر أعلى للحصول على المعدن فوراً، وهو ما يعكس محدودية الإمدادات المتاحة على المدى القريب. كما أشارت السوق إلى انخفاض في مخزونات البورصات، وهو عامل آخر يدعم نظرية الشح النسبي في المعروض.

وقالت مانثي إن ارتفاع العلاوات الصينية وتراجع المخزونات يشيران إلى أن السوق الفورية أصبحت أكثر ضيقاً، وهو ما يمنح الأسعار دفعة إضافية حتى في حال بقاء الطلب عند مستوياته الحالية.

الدولار والتوترات الجيوسياسية يضيفان ضغطاً صعودياً

استفادت أسواق المعادن أيضاً من تراجع مؤشر الدولار، الأمر الذي يجعل السلع المسعرة بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى. وغالباً ما يؤدي ضعف الدولار إلى تعزيز الإقبال على المعادن والطاقة والسلع الزراعية، لأن القدرة الشرائية للمستوردين تتحسن نسبياً.

وفي الوقت نفسه، زادت المخاوف من تأثير التوترات في الشرق الأوسط على سلاسل التوريد العالمية. وقد أثار تصاعد الصراع الإيراني قلقاً متجدداً بشأن إمدادات الكبريت، وهو عنصر مهم في إنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في استخراج النحاس، ما يضيف طبقة جديدة من المخاطر على السوق.

هذه التطورات لا تعني بالضرورة حدوث نقص فوري، لكنها ترفع درجة الحساسية في سوق يعتمد كثيراً على انسيابية الشحنات والمواد الأولية. ومع أي اضطراب إضافي في النقل أو الطاقة أو المواد الوسيطة، قد تبقى الأسعار تحت ضغط صعودي في المدى القصير.

حركة المعادن الأخرى تعكس مناخاً داعماً للسلع

لم يكن النحاس وحده المستفيد من هذا المناخ، إذ ارتفع الألمنيوم في بورصة لندن بنسبة 0.2 في المائة إلى 3177 دولاراً للطن، كما صعد الزنك بنسبة 0.5 في المائة إلى 3582 دولاراً، وزاد القصدير بنسبة 1.8 في المائة إلى 53525 دولاراً.

أما النيكل فاستقر عند 16765 دولاراً للطن، في حين تراجع الرصاص بنسبة 0.5 في المائة إلى 1859.50 دولاراً للطن، بعد ارتفاع حاد في مخزونات بورصة لندن للمعادن بلغ 80700 طن، أي ما يعادل 28 في المائة، عقب وصول شحنات جديدة إلى مستودعات سنغافورة.

وتعكس هذه التحركات أن السوق لا تتحرك بدافع واحد، بل تتأثر بمجموعة من العوامل تشمل مستويات المخزون، والتكلفة الدولارية، وتدفقات الشحن، وتوقعات الطلب الصناعي العالمي.

الذكاء الاصطناعي والتصنيع يرفعان الطلب على النحاس

في خلفية هذا المشهد، يبرز عامل هيكلي مهم يتمثل في الطلب المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. فالنحاس يعد من المواد الأساسية في مراكز البيانات، وشبكات الكهرباء، وأجهزة الحوسبة، والتجهيزات المرتبطة بتوسيع القدرات الرقمية والصناعية.

ومع استمرار الشركات العالمية في الاستثمار في الرقائق الإلكترونية وقوة الحوسبة، يظل الطلب على النحاس مرتبطاً بموجات التوسع في الاقتصاد الرقمي. وهذا يفسر جزئياً لماذا تتفاعل الأسعار بسرعة مع أي تحسن في الصادرات الصينية أو النشاط الصناعي المرتبط بالتكنولوجيا.

لكن هذا الزخم لا يلغي التحديات، إذ يبقى السوق عرضة لتقلبات الطلب من المصانع الكبرى، ولأي تباطؤ في الاستهلاك النهائي أو تغير في التجارة العالمية. لذلك، فإن الاتجاه الصعودي الحالي قد يكون قوياً، لكنه يظل حساساً لأي انعكاس في البيانات الاقتصادية أو الإمدادات.

ما الذي يعنيه ذلك للسوق في المدى القريب؟

تشير التطورات الأخيرة إلى أن النحاس يدخل مرحلة مدعومة بعوامل فنية وأساسية في آن واحد. فالمعروض الفوري يبدو أقل مرونة، والطلب الصيني يظهر قدراً من التحسن، والدولار الأضعف يوفر بيئة سعرية أكثر ملاءمة، فيما تضيف الجغرافيا السياسية طبقة إضافية من عدم اليقين.

وفي المقابل، يبقى استمرار الصعود مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الصيني على الحفاظ على زخم التصدير، وبما إذا كانت الاضطرابات الجيوسياسية ستؤثر فعلياً في مسارات الإمداد أم ستظل في نطاق المخاطر المحتملة. كما أن أي تغير في مستويات المخزونات أو في شهية المستثمرين قد يعيد رسم اتجاه الأسعار سريعاً.

وبين هذه العوامل، يبدو أن النحاس يواصل لعب دوره التقليدي كمقياس حساس لصحة الاقتصاد الصناعي العالمي، وكأحد أكثر أصول السلع ارتباطاً بحركة الإنتاج والتجارة والتقنية في آن واحد.