مكاسب الجنيه تأتي مع تراجع الدولار
واصل الجنيه الإسترليني تحركه الصاعد في سوق العملات، مسجلاً أعلى مستوى له في ثلاثة أسابيع مقابل الدولار الأميركي، في وقت بقيت فيه العملة الأميركية تحت ضغط واضح بعد صدور بيانات توظيف أضعف من التوقعات في الولايات المتحدة. ولامس الجنيه مستوى 1.3401 دولار قبل أن يتراجع قليلاً إلى 1.338 دولار، لكنه احتفظ بجزء مهم من مكاسبه الأخيرة.
ويعكس هذا الأداء تغيراً في مزاج المستثمرين تجاه الدولار، بعدما كانت العملة الأميركية قد بلغت في نهاية يونيو أعلى مستوى لها في 13 شهراً أمام سلة من العملات الرئيسية. يومها، عزز المتعاملون رهاناتهم على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال العام الحالي، ما منح الدولار دعماً واسعاً. لكن تباطؤ سوق العمل الأميركية أعاد تسعير تلك التوقعات بسرعة.
بيانات الوظائف الأميركية تربك توقعات الفائدة
جاء التقرير الشهري للوظائف غير الزراعية أقل من تقديرات السوق، إذ أضاف الاقتصاد الأميركي وظائف في يونيو بوتيرة أضعف من المتوقع. هذا الضعف دفع المستثمرين إلى تقليص احتمالات أن يلجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع جديد للفائدة، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الدولار في أسواق الصرف.
وفي العادة، ترتبط قوة الدولار بتوقعات تشديد السياسة النقدية، غير أن تراجع الزخم في سوق العمل يضغط في الاتجاه المعاكس. ومع كل إشارة إلى تباطؤ اقتصادي أو تراجع في شهية الفيدرالي لرفع الفائدة، تميل الأسواق إلى تقليص تعرضها للدولار، لصالح عملات أخرى تبدو أكثر استفادة من إعادة تسعير العوائد.
كما ساهم انخفاض أسعار النفط في دعم الاتجاه العام نحو العملة البريطانية، لأن تراجع فاتورة الطاقة يخفف عبئاً محتملاً على الاقتصادات المستوردة للنفط، وفي مقدمتها المملكة المتحدة التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
الجنيه أمام اليورو يستفيد من تباطؤ التضخم الأوروبي
لم تقتصر مكاسب الإسترليني على الدولار، إذ سجل أيضاً أعلى مستوى له في عام مقابل اليورو، مع تداول العملة الأوروبية الموحدة قرب 85.41 بنس. وجاء ذلك في ظل ضغوط على اليورو بعد بيانات أظهرت أن التضخم في منطقة اليورو جاء دون التوقعات خلال يونيو، ما خفّض قناعة المستثمرين بأن البنك المركزي الأوروبي قد يتجه بسرعة إلى مزيد من التشديد النقدي.
هذا التباين في توقعات السياسة النقدية بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وبريطانيا أسهم في تعزيز موقع الجنيه خلال الجلسات الأخيرة. فحين تتراجع الرهانات على رفع الفائدة في منطقة أو اقتصاد معين، تميل العملة المرتبطة به إلى فقدان جزء من جاذبيتها أمام العملات المنافسة.
وبحسب متعاملين، فإن تحرك اليورو الضعيف منح الإسترليني مساحة إضافية للصعود، لا سيما مع استمرار النظرة الحذرة تجاه النمو في القارة الأوروبية وتراجع الضغوط التضخمية مقارنة بما كان متوقعاً سابقاً.
أسعار النفط والبيئة السياسية تخففان المخاوف
أسهم هبوط أسعار النفط خلال الفترة الماضية في تحسين النظرة إلى الاقتصاد البريطاني، الذي يظل حساساً لتقلبات الطاقة بسبب اعتماده على الاستيراد. وكانت أسعار الخام قد ارتفعت في وقت سابق من العام مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية، ما أثار مخاوف من ضغط إضافي على النمو والتضخم في بريطانيا. لكن التراجع الأخير خفف جانباً من تلك المخاوف.
كما رأى محللون أن الإسترليني استفاد من إشارات سياسية تهدئ قلق المستثمرين حيال المسار المالي المقبل. فقد التزم أندي بيرنهام، رئيس الوزراء المحتمل، بالقواعد المالية الحكومية، وهو ما ساعد في تقليص المخاوف من توسع كبير في الإنفاق العام. ويأتي ذلك في وقت يراقب فيه المستثمرون أي تحول محتمل في السياسة الاقتصادية البريطانية، خصوصاً إذا ارتبط بزيادة الإنفاق أو اتساع العجز.
وقالت رئيسة قسم المتخصصين في الاستثمار لدى شركة إنسايت إنفستمنتس، أبريل لاروس، إن قدرة الجنيه على الصمود رغم الاضطرابات السياسية تعكس إلى حد كبير أن كثيراً من الأخبار السلبية باتت محسوبة بالفعل داخل الأسعار. وأضافت أن الأسواق كانت تتوقع لسنوات أداءً أضعف للاقتصاد البريطاني، وأن ظهور بيانات أقل سلبية من المخاوف السابقة، مع تحسن طفيف في الأساسيات، يمنح العملة دعماً إضافياً.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين والأسواق؟
تعكس حركة الإسترليني الحالية تداخلاً بين العوامل العالمية والمحلية: تباطؤ الاقتصاد الأميركي، وتغير توقعات الفائدة، وتراجع أسعار الطاقة، إلى جانب هدوء نسبي في المخاوف المرتبطة بالسياسة المالية البريطانية. هذا المزيج يوفر دعماً مؤقتاً للعملة، لكنه لا يعني بالضرورة اتجاهاً صعودياً مستقراً على المدى الطويل.
فأسواق العملات تبقى شديدة الحساسية للبيانات الاقتصادية القادمة، خصوصاً ما يتعلق بالتضخم والنمو وسوق العمل، سواء في الولايات المتحدة أو منطقة اليورو أو بريطانيا. وأي تغير جديد في توقعات الفائدة يمكن أن يعيد رسم المسار سريعاً، خاصة في بيئة يتسم فيها المستثمرون بالحذر ويعيدون موازنة مراكزهم باستمرار.
كما أن استمرار الإسترليني قرب مستوياته المرتفعة يعتمد على قدرة الاقتصاد البريطاني على إظهار صلابة نسبية مقارنة بنظرائه، وعلى عدم عودة ضغوط الطاقة أو التشديد النقدي المفاجئ إلى الواجهة. وحتى ذلك الحين، يبدو أن العملة البريطانية تستفيد من مرحلة ضعف نسبي للدولار ومن التوقعات المتراجعة بشأن التشديد في الاقتصادات الكبرى الأخرى.