20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

المركزي المصري يحذر من تصاعد الاحتيال المالي المدعوم بالذكاء الاصطناعي ويكشف خططاً لتعزيز الأمن السيبراني

حذر البنك المركزي المصري من تنامي منظومات الاحتيال المالي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الهجمات الرقمية أصبحت أسرع وأكثر تعقيداً، وأن القطاع المالي يحتاج إلى بنية سيبرانية أكثر تكاملاً وقدرة على الاستجابة المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد المخاطر في القطاع المالي

أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي أحد أكثر العوامل تأثيراً في مشهد الأمن السيبراني داخل المؤسسات المالية، ليس فقط بوصفه أداة إنتاج وتسريع للأعمال، بل أيضاً باعتباره وسيلة يمكن أن تستخدم في تطوير الهجمات الرقمية ورفع دقتها. وفي هذا السياق، حذر مسؤول في البنك المركزي المصري من أن النماذج واسعة النطاق باتت تمنح المهاجمين قدرة أكبر على اكتشاف الثغرات واستغلالها خلال فترات زمنية أقصر، وهو ما يضاعف مستوى التعقيد أمام البنوك ومقدمي الخدمات المالية.

وأشار نائب محافظ البنك المركزي المصري للأمن السيبراني إلى أن التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي لا ينعكس على تحسين الكفاءة التشغيلية فقط، بل يفتح أيضاً الباب أمام جيل جديد من التهديدات التي تتحرك بسرعة وتتغير باستمرار. وهذا التحول يجعل فرق الأمن المعلوماتي مطالبة بالانتقال من الدفاع التقليدي إلى نماذج أكثر استباقية في الرصد والتحليل والاستجابة.

وتبرز أهمية هذه التحذيرات في وقت تتسارع فيه رقمنة الخدمات المصرفية وتزداد فيه قيمة البيانات المالية والهوية الرقمية، ما يجعل أي خلل أمني ذا أثر مباشر على ثقة العملاء واستقرار المؤسسات على حد سواء.

الاحتيال المالي الرقمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً

بحسب ما عرضه المسؤول المصرفي، لم يعد الاحتيال المالي الرقمي يقتصر على الرسائل المضللة أو محاولات الوصول غير المشروع إلى الحسابات، بل بات يتخذ شكلاً أكثر تطوراً يعتمد على الهندسة الاجتماعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويعني ذلك أن المحتالين قادرون على صياغة رسائل واتصالات تبدو مقنعة للغاية، ما قد يدفع بعض العملاء إلى تنفيذ تحويلات مالية غير مخطط لها أو الإفصاح عن بيانات حساسة دون إدراك الخطر.

هذا التطور يفرض تحدياً مباشراً على البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، لأن كثيراً من أساليب التحقق التقليدية صُممت في بيئة أقل تعقيداً. ومع دخول أدوات توليد النصوص والصوت والصورة إلى المجال الاحتيالي، بات من الممكن انتحال الشخصيات بدقة أعلى، وهو ما يهدد موثوقية القنوات الرقمية ويضعف الاعتماد على المؤشرات القديمة في التحقق من الهوية.

كما لفتت الإشارات الصادرة عن البنك المركزي إلى أن المخاطر لم تعد تتعلق بسلوك فردي معزول، بل بمنظومة متكاملة تستهدف سلاسل الثقة داخل القطاع المالي، من العميل إلى المؤسسة ثم إلى مزود الخدمة والتقنيات الوسيطة. وهذا ما يجعل مكافحة الاحتيال مهمة تشغيلية وتنظيمية في آن واحد.

الترابط الرقمي يوسع أثر أي اختراق

من بين النقاط الأكثر حساسية التي جرى التحذير منها، المخاطر الناتجة عن الترابط الرقمي بين المؤسسات المالية وموردي التكنولوجيا. فاعتماد عدد محدود من مزودي الحلول التقنية يمكن أن يحول أي ثغرة في نقطة واحدة إلى تهديد واسع النطاق يمتد تأثيره إلى أكثر من مؤسسة، وربما إلى القطاع بأكمله.

هذا النمط من المخاطر أصبح شائعاً مع توسع استخدام الخدمات السحابية، والأنظمة المشتركة، والبنى الرقمية المتداخلة التي تسهّل العمليات وتخفض التكلفة، لكنها في الوقت نفسه تجعل نقاط الضعف أكثر خطورة. وفي حال تعرض أحد مزودي الخدمة لهجوم ناجح، فإن التداعيات قد تشمل انقطاعاً في الخدمات، أو تسريباً للبيانات، أو تعطلاً في قنوات الدفع والتحويل.

لذلك يتجه التفكير التنظيمي عالمياً إلى ما هو أبعد من حماية كل مؤسسة على حدة، نحو بناء منظومة أمان جماعية قادرة على الاستشعار المبكر وتبادل المعلومات عن التهديدات وتنسيق الردود بشكل أسرع. وهذه المقاربة تبدو أكثر إلحاحاً في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها البنوك وأنظمة الدفع.

البنك المركزي المصري يعيد بناء الإطار السيبراني

أكدت التصريحات أن البنك المركزي المصري يواصل تحديث أدواته التنظيمية والتقنية لمواكبة المخاطر الجديدة، ويعمل على إعداد نسخة ثانية من إطار الأمن السيبراني الموجه للقطاع المصرفي. ويعكس ذلك توجهاً نحو تطوير قواعد أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية، التي لم تعد فيها التهديدات ثابتة أو سهلة التنبؤ.

ومن بين الخطوات التي يجري العمل عليها أيضاً تأسيس شركة وطنية للهوية الرقمية، في خطوة يُتوقع أن تسهم في رفع موثوقية المعاملات الإلكترونية وتقليل فرص الاحتيال المرتبط بتزوير الهوية أو سرقة الحسابات. وتعد الهوية الرقمية أحد الأعمدة الرئيسية لأي اقتصاد رقمي متقدم، لأنها تربط بين التحقق الآمن وسهولة الاستخدام وتوسيع الشمول المالي.

كما يبرز دور مركز الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي للقطاع المالي باعتباره نقطة وصل بين المؤسسات المالية، حيث يتيح تحسين عمليات الرصد المبكر، وتبادل التحذيرات، وتسريع الاستجابة عند ظهور تهديدات جديدة. وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في بيئة تتغير فيها طبيعة الهجمات بسرعة، ما يجعل التأخر في تبادل المعلومات مكلفاً للغاية.

التعاون المؤسسي أصبح ضرورة وليست خياراً

الرسالة الأوسع التي حملتها التحذيرات الصادرة من القاهرة أن الأمن السيبراني لم يعد ملفاً داخلياً يمكن لأي بنك أو شركة أن تتعامل معه بمفردها. فالمخاطر الرقمية، خاصة عندما تغذيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتجاوز حدود المؤسسة والدولة، وتحتاج إلى شراكات تشغيلية وتنظيمية وتكنولوجية أعمق.

ويعني ذلك أن التكامل بين البنوك والجهات الرقابية ومزودي التكنولوجيا وشركات الأمن السيبراني أصبح شرطاً أساسياً لبناء قدرة دفاعية فعالة. كما أن تبادل الخبرات والمعلومات الفنية حول أنماط الهجوم الجديدة قد يكون أكثر قيمة من الحلول الفردية المتفرقة، لأن التهديدات نفسها باتت تتطور بمنطق الشبكات لا بمنطق الهجوم المنفرد.

وفي هذا الإطار، تظهر المؤتمرات المتخصصة في الأمن السيبراني كمنصة لبلورة أفضل الممارسات ومناقشة التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي في القطاع المالي. لكن الأهم، في نظر المؤسسات الرقابية، هو ترجمة هذه النقاشات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ داخل البنوك وشركات الدفع ومراكز البيانات.

الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى ثقة أكثر من التقنية

تجربة القطاع المالي المصري تعكس حقيقة أوسع في الاقتصاد الرقمي: النجاح في التحول الرقمي لا يعتمد على نشر الخدمات الإلكترونية فقط، بل على بناء الثقة في كل طبقة من طبقات المنظومة. فكلما توسعت المعاملات الرقمية، أصبحت الهوية والخصوصية وسلامة البنية التحتية عناصر حاسمة في الحفاظ على استدامة النمو.

ومن هنا تأتي أهمية التحذير من منظومة الاحتيال المالي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لأنه يضع القطاع أمام نوع مختلف من المخاطر، لا يكتفي باستهداف الأنظمة، بل يسعى إلى استهداف سلوك المستخدم نفسه. وهذا ما يفسر تركيز البنك المركزي على الهوية الرقمية، والربط بين المؤسسات، والإطار السيبراني المحدث، باعتبارها أدوات أساسية لتقوية دفاعات الاقتصاد الرقمي.

ومع استمرار تسارع الابتكار في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام البنوك المركزية والمؤسسات المالية لن يكون في تبني التكنولوجيا فقط، بل في ضبط استخداماتها، وتقليص مساحات الاستغلال، وبناء بيئة رقمية أكثر مرونة أمام الهجمات المتقدمة.