20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

شي إن تحصل على موافقة الصين لطرح عام مرتقب في هونغ كونغ بعد تعثر نيويورك ولندن

وافقت الصين على الاكتتاب العام المرتقب لشركة «شي إن» في هونغ كونغ، في خطوة تفتح الباب أمام إدراج قد يعيد تقييم الشركة ويمنح السوق المالية في المدينة دفعة جديدة، بعد تعثر محاولاتها السابقة في نيويورك ولندن.

موافقة صينية تمهّد لإدراج جديد

أعطت الجهات التنظيمية الصينية الضوء الأخضر لطرح شركة «شي إن» العام الأولي في هونغ كونغ، في خطوة تعد محطة حاسمة لشركة الأزياء السريعة التي حاولت سابقاً دخول بورصتي نيويورك ولندن من دون نجاح. وتمثل هذه الموافقة تطوراً مهماً في مسار الشركة التي بنت نموذج أعمالها على البيع الإلكتروني واسع النطاق عبر أسواق متعددة، لكنها اصطدمت خلال العامين الأخيرين بتشدد تنظيمي واعتراضات سياسية في أكثر من بلد.

وبحسب المعطيات المتاحة، فإن الموافقة الصينية لا تعني اكتمال الإدراج بعد، لكنها تزيل إحدى أبرز العقبات أمام الصفقة، وتمنح الشركة فرصة لإعادة تموضعها في سوق آسيوية استراتيجية. كما تعكس هذه الخطوة في جانب منها رغبة بكين في إبقاء الشركات المرتبطة بسلاسل التوريد المحلية تحت إشرافها المباشر، خصوصاً عندما تكون على صلة بعمليات بيع عابرة للحدود وتمويل دولي واسع.

وتحظى «شي إن» بمتابعة دقيقة من المستثمرين بعد فترة طويلة من الغموض التنظيمي، إذ انتظرت الشركة نحو عام للحصول على الموافقة المطلوبة في الصين. وخلال هذه الفترة، ظلت الشكوك قائمة حول توقيت الطرح، وحول ما إذا كانت هونغ كونغ ستنجح في استيعاب إدراج بحجم الشركة وطبيعة نشاطها.

تقييم أقل من الذروة السابقة

بلغت قيمة «شي إن» في مرحلة سابقة نحو 100 مليار دولار خلال 2022، لكن هذا التقدير تراجع لاحقاً مع تباطؤ الزخم الذي رافق طفرة التجارة الإلكترونية بعد الجائحة، إلى جانب تصاعد التدقيق التنظيمي والانتقادات المرتبطة بسلسلة التوريد ونموذج الأسعار المنخفضة. ووفقاً لتقديرات حديثة نقلها مصدر مطلع، قد تستهدف الشركة تقييماً بين 40 و50 مليار دولار في الطرح الجديد.

هذا الفارق الكبير في التقييم يعكس التحول في شهية المستثمرين تجاه شركات الاستهلاك الرقمي السريع، كما يوضح أن السوق لم تعد تمنح النمو السريع وحده نفس الوزن الذي كان يحظى به قبل سنوات. فالمستثمرون اليوم يركزون أكثر على الاستدامة التشغيلية، والامتثال التنظيمي، والقدرة على الحفاظ على الهوامش في بيئة تتغير فيها قواعد التجارة الدولية بسرعة.

كما يضع هذا التقييم «شي إن» في مقارنة مباشرة مع منافسين كبار في سوق التجارة الرقمية والأزياء السريعة. فبحسب المعطيات المتداولة، ستكون الشركة أصغر بكثير من مجموعة «بي دي دي هولدينغز» المالكة لـ«تيمو»، لكنها ستبقى أكبر من «إتش آند إم» من حيث القيمة السوقية، رغم أن الأخيرة خسرت بالفعل جزءاً من حصتها لصالح النموذج السعري السريع الذي تقدمه «شي إن».

لماذا هونغ كونغ بدلاً من نيويورك ولندن

لم يكن انتقال «شي إن» إلى هونغ كونغ مجرد تغيير في موقع الإدراج، بل جاء نتيجة سلسلة من العقبات في الأسواق الغربية. ففي الولايات المتحدة، واجهت الشركة اعتراضات متصاعدة من مشرعين وجهات تنظيمية، ما أضعف فرصها في المضي قدماً في نيويورك. وبعد ذلك، تحولت إلى لندن أملاً في إنجاز الصفقة هناك، إلا أن الموافقة الصينية تأخرت، فتجمد المسار مرة أخرى.

وتكشف هذه الرحلة المتعثرة كيف أصبحت الجغرافيا السياسية جزءاً أساسياً من قرارات الإدراج بالنسبة للشركات الصينية الخاصة، خصوصاً تلك التي تعتمد على موردين داخل الصين وتبيع منتجاتها عالمياً. فالوصول إلى رأس المال لم يعد مسألة مالية بحتة، بل أصبح مرتبطاً باعتبارات السيادة والرقابة والتوترات التجارية بين القوى الكبرى.

كما أن إصرار بكين على فحص الطروحات الخارجية يعكس نهجاً أكثر صرامة منذ تعليق الإدراج الذي كان يخطط له ذراع التكنولوجيا المالية التابعة لجاك ما في 2020. ومنذ ذلك الحين، باتت السلطات أكثر حذراً تجاه الشركات الخاصة التي يمكن أن تتحول إلى ملفات حساسة سياسياً أو تنظيماً.

نموذج أعمال تحت ضغط دائم

تأسست «شي إن» في نانجينغ عام 2012 على يد سكاي شو، وبنت توسعها على بيع ملابس منخفضة السعر لمستهلكين في عشرات الأسواق حول العالم. وتعرض الشركة منتجات بأسعار شديدة التنافسية، من بينها فساتين لا تتجاوز بضعة دولارات وبناطيل جينز بأسعار منخفضة، مع حضور في نحو 150 دولة.

غير أن هذا النمو السريع رافقه قدر كبير من الجدل. فقد وُجهت إلى الشركة انتقادات متكررة تتعلق بظروف العمل لدى بعض الموردين، وبأثر نموذج الشحن الجوي السريع على الانبعاثات، إضافة إلى اتهامات بشأن الضغط على تجار التجزئة المحليين عبر أسعار يصعب منافستها. كما تعرضت لانتقادات مرتبطة بتطبيقها الشديد الجاذبية للمستخدمين، وبالمخاوف من ممارسات غير متكافئة في السوق.

وفي فرنسا، أثارت الشركة جدلاً إضافياً بعد فضيحة مرتبطة بدمى جنسية، وهو ما زاد من حساسية الملف في نظر السلطات الصينية التي لا ترغب في أن تتحول الشركة إلى مصدر جديد للإحراج الخارجي. هذه الخلفية تجعل الطرح العام أكثر تعقيداً من مجرد عملية إدراج تقليدية، لأنه يأتي محملاً بتداعيات سمعة وتنظيم وامتثال عابرة للحدود.

أهمية الصفقة لسوق هونغ كونغ

تمثل موافقة الصين دفعة قوية لهونغ كونغ، التي استعادت حضوراً ملحوظاً هذا العام كوجهة مفضلة للإدراجات. وتأتي صفقة «شي إن» المحتملة في وقت تعمل فيه المدينة على تعزيز نشاط أسواق رأس المال، مستفيدة من عودة بعض الشركات الآسيوية إلى البحث عن إدراجات أقرب إلى قواعدها التشغيلية ومورديها.

كما تشير الإفصاحات الرسمية إلى أن لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية وافقت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية على أكثر من 180 اكتتاباً عاماً أولياً آخر، ما يعكس نشاطاً متزايداً في عمليات الإدراج الخارجية والخارجية الموجهة من الصين. وفي هذا السياق، قد يمنح إدراج «شي إن» زخماً إضافياً للبورصة المحلية، سواء على مستوى السيولة أو الثقة أو جاذبية السوق أمام شركات القطاع الرقمي والاستهلاكي.

إلا أن أهمية الصفقة لا تتوقف عند هونغ كونغ وحدها. فهي أيضاً مؤشر على الطريقة التي تعيد بها الصين ضبط مسار شركاتها الخاصة الكبرى في حقبة تتداخل فيها التجارة الرقمية مع الأمن الاقتصادي والرقابة على تدفقات رأس المال. لذلك، فإن أي طرح ناجح لـ«شي إن» سيكون بمثابة اختبار مزدوج: قدرة الشركة على إقناع المستثمرين، وقدرة الصين على إدارة شركاتها العالمية من دون تعطيل توسعها الخارجي.

أسئلة التنفيذ تبقى مفتوحة

رغم الموافقة التنظيمية، ما زالت هناك تفاصيل مهمة لم تُحسم بعد، من بينها حجم الإصدار النهائي، والتوقيت المحتمل، وشهية المستثمرين تجاه سهم مرتبط بقطاع يواجه تدقيقاً متنامياً. كما أن الأداء المالي والتشغيلي خلال الفترة المقبلة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد السعر النهائي، خاصة في ظل تقلبات تقييم شركات التجارة الإلكترونية وتراجع بعض التوقعات السابقة.

وتبقى «شي إن» مثالاً بارزاً على شركة رقمية عالمية تحاول الانتقال من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة النضج المالي، وسط بيئة أكثر تشدداً في الصين والغرب على حد سواء. وإذا نجح الإدراج، فقد يشكل ذلك نموذجاً لشركات أخرى تسعى إلى الوصول إلى رؤوس الأموال الدولية من خلال هونغ كونغ، لكن ضمن شروط رقابية وسياسية أكثر صرامة من أي وقت مضى.