20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تزايد الغموض حول الذكاء الاصطناعي يعمّق انقسام المستثمرين في وول ستريت

بينما تتزايد الشكوك بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق أرباح ضخمة، يزداد في المقابل تمسك المستثمرين في وول ستريت بمواقفهم المتعارضة، ما يرفع احتمالات التقلب في النصف الثاني من العام.

يتسع الجدل في أسواق المال العالمية حول الذكاء الاصطناعي في وقت تتصاعد فيه الشكوك بشأن قدرته على توليد الأرباح الضخمة التي راهن عليها المستثمرون خلال الفترة الماضية. ورغم ازدياد الغموض، فإن المواقف الاستثمارية لا تميل إلى التهدئة، بل يبدو أن الطرفين، المؤيدين والمتشككين، يزدادون تمسكاً بوجهات نظرهم.

هذا التناقض يعبّر عن واحدة من أكثر الظواهر لفتاً للانتباه في وول ستريت حالياً: كلما ارتفعت الأرقام المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء في الإنفاق أو العوائد أو التوقعات المستقبلية، ازدادت حدة الانقسام بين من يرى في هذه الموجة فرصة تاريخية ومن يعتبرها رهاناً مكلفاً قد لا يحقق العائد المنتظر.

رهانات متعارضة في سوق واحدة

المؤشر الأوضح على هذا الانقسام جاء من مسح حديث أظهر أن أغلبية كبيرة من مديري الصناديق ترى أن تجارة الذكاء الاصطناعي أصبحت مزدحمة للغاية، لكن نحو نصف المشاركين لا يعتقدون أن السوق في فقاعة بالضرورة. هذه النتيجة تلخص بدقة المزاج السائد: تشكك مرتفع، لكن دون تخلي كامل عن الرهان.

المستثمرون المتفائلون يستندون إلى فكرة أن الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيقود إلى نمو أعلى في الإيرادات والأرباح والإنتاجية على المدى الطويل. وبحسب هذا التصور، فإن الموجة الحالية ليست مجرد حماس مضاربي، بل بداية دورة استثمارية جديدة قد تعيد تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد.

في المقابل، يرى المتحفظون أن التكاليف باتت أعلى من أن تضمن عائداً مناسباً، خصوصاً بعد القفزة السريعة في إنفاق شركات الحوسبة السحابية العملاقة على الخوادم والرقائق ومراكز البيانات. ويجادل هؤلاء بأن العوائد المستقبلية قد لا تكون كافية لتبرير هذا الحجم من النفقات.

الإنفاق الضخم يعيد توزيع الأرباح

أحد الجوانب المركزية في هذه القصة هو ما يشبه إعادة توزيع واسعة للتدفقات النقدية الحرة داخل قطاع التكنولوجيا. فالشركات الكبرى التي تبني البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تضخ مئات المليارات في الإنفاق الرأسمالي، بينما تستفيد شركات أشباه الموصلات من هذه الدورة عبر زيادة الطلب على الرقائق والعتاد المتخصص.

لكن هذا التحول يحمل في طياته مفارقة مهمة: الشركات التي تقود موجة الاستثمار قد تواجه ضغوطاً على التدفقات النقدية، في حين تبدو الشركات الموردة للمكونات الأساسية في موقع أفضل لتحقيق المكاسب المباشرة. ومع ذلك، فإن هذا التوازن ليس مضموناً إذا تباطأ الطلب أو تغيرت أنماط استخدام النماذج الأكثر كلفة.

وتشير تقديرات السوق إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة أنفقت هذا العام مئات المليارات من الدولارات على الإنفاق الرأسمالي، في وقت لم تتحرك فيه أسهمها بالصورة نفسها التي كان يتوقعها بعض المستثمرين. ويعكس ذلك قلقاً متزايداً من احتمال دخول هذه الشركات مرحلة يصبح فيها تمويل التوسع أكثر صعوبة، لا سيما إذا استمرت الضغوط على التدفقات النقدية الحرة.

الشكوك حول العائد الحقيقي

لا يتمحور الجدل فقط حول حجم الاستثمار، بل أيضاً حول طبيعة الطلب النهائي على تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالمتشككون يعتقدون أن تكلفة الحوسبة المتقدمة قد تكون مرتفعة إلى درجة تدفع المستخدمين والمؤسسات إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، بما في ذلك النماذج المفتوحة المصدر أو الحلول الأرخص التي قد تظهر في أسواق أخرى.

في هذه الحالة، قد لا تتحقق الإيرادات المتوقعة من الاستثمار الضخم في البنية التحتية، ما يخلق فجوة بين الوعود الكبيرة والنتائج الفعلية. ولذلك، يرى كثير من المحللين أن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر الاقتصاد، بل من سيلتقط معظم القيمة المالية الناتجة عن هذا التغيير.

وتزداد صعوبة الإجابة لأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك حتى الآن نموذجاً تاريخياً واضحاً يمكن للمستثمرين الاستناد إليه. صحيح أن بعض المقارنات تُجرى مع اختراعات مفصلية مثل الإنترنت أو الحواسيب أو السكك الحديدية، لكن طبيعة التأثير على الشركات والوظائف والنمو والإنتاجية ما زالت غير محسومة.

السوق الأمريكية أصبحت أكثر اعتماداً على السردية الصاعدة

القلق لا يقتصر على الشركات الفردية أو قطاع التكنولوجيا وحده، بل يمتد إلى السوق الأمريكية الأوسع. فكلما زاد اعتماد المؤشرات الكبرى على أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أصبح أي تراجع في هذه السردية أكثر تأثيراً على الأداء العام للأسواق.

وتوضح البيانات الحديثة أن الاستثمار المرتبط بالحوسبة في النصف الأول من العام مثّل حصة غير مسبوقة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ارتفع الاستثمار التكنولوجي الإجمالي بنحو كبير على أساس سنوي. وفي المقابل، تراجعت أشكال أخرى من الإنفاق الرأسمالي، ما أدى إلى اتساع فجوة تاريخية بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

هذا الوضع يجعل الذكاء الاصطناعي أحد المحركات النادرة للنشاط الاستثماري في الاقتصاد الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يرفع درجة الهشاشة إذا ما تبين أن دورة الإنفاق بلغت حدودها القصوى. وفي مثل هذه الحالة، قد يواجه السوق معضلة واضحة: إما أن تعود التدفقات النقدية الحرة لدى الشركات الكبرى إلى التحسن، أو يتباطأ نمو شركات الرقائق بصورة حادة.

التقلبات ترتفع مع اقتراب موسم النتائج

مع انطلاق موسم نتائج الربع الثاني في الولايات المتحدة، تزداد حساسية الأسواق لأي إشارة تؤكد أو تنقض الرهانات القائمة حول الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن الأسابيع المقبلة قد تحمل تقلبات أعلى، خصوصاً في الأسهم التي أصبحت مرتبطة مباشرة بهذه القصة.

وبحسب مراقبين في السوق، فإن بعض المستثمرين باتوا قلقين من التقلبات الحادة في الأسهم الفردية، وهو ما يشير إلى أن الحماس السابق قد سبق الأسعار في بعض الحالات. كما أن موجة التذبذب الأخيرة في أسماء تقنية كبرى أظهرت أن السوق مستعدة للتحرك بعنف في الاتجاهين بمجرد تغير التوقعات.

أما في قطاع أشباه الموصلات، فما زالت المكاسب كبيرة منذ بداية العام، لكن ذلك لا يمنع من احتمال مزيد من التصحيح إذا رأى المستثمرون أن وتيرة النمو لن تكون خطية كما افترضوا سابقاً. وبالنسبة للمتفائلين، فالتراجعات الحالية قد تكون فرصة لإعادة الدخول. أما بالنسبة للمتشككين، فقد تكون مجرد بداية لمرحلة إعادة تسعير أعمق.

الأسواق الآسيوية تعكس هشاشة السردية نفسها

تظهر الإشارات الأكثر وضوحاً على هشاشة الرهان في أسواق أكثر تركّزاً على أسهم الذكاء الاصطناعي، مثل السوق الكورية الجنوبية. فقد سجل المؤشر الأوسع هناك هبوطاً حاداً في عدة مناسبات هذا العام، مدفوعاً بتقلبات قوية في أسهم شركات أشباه الموصلات.

هذه التحركات تؤكد أن الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تكون شديدة الحساسية لأي تغيير في المزاج العام، سواء كان ذلك بسبب نتائج أعمال أقل من المتوقع أو مخاوف من تباطؤ الإنفاق أو تبدل في اتجاهات الطلب العالمي.

في المحصلة، لا تبدو المعركة الحالية في الأسواق مجرد نقاش تقني حول قدرات النماذج الذكية، بل اختباراً أوسع لمدى استعداد المستثمرين لمواصلة تمويل سباق مكلف لا تزال نهايته غير واضحة. ومع ازدياد الغموض، لا يتراجع اليقين لدى الأطراف المتصارعة، بل يبدو أنه يزداد صلابة، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة مرشحة لمزيد من التقلب وإعادة التقييم.