06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

«ميتا» تُجبر على فتح واتساب أمام منافسي الذكاء الاصطناعي في قرار أوروبي مؤقت

أمرت سلطات المنافسة في الاتحاد الأوروبي «ميتا» بمنح روبوتات ومساعدي الذكاء الاصطناعي المنافسين وصولاً مجانياً إلى واجهة «واتساب للأعمال»، في خطوة مؤقتة تهدف إلى حماية المنافسة وسط تحقيقات موسعة بشأن إساءة استخدام القوة السوقية.

أصدر الاتحاد الأوروبي خطوة تنظيمية لافتة ضد «ميتا بلاتفورمز»، إذ طلبت سلطات مكافحة الاحتكار من الشركة السماح لروبوتات ومساعدي الذكاء الاصطناعي المنافسين بالوصول المجاني إلى واجهة «واتساب للأعمال». ويأتي القرار في إطار إجراء مؤقت يهدف إلى منع إقصاء المنافسين في سوق يتطور بسرعة، بينما تواصل بروكسل تحقيقاتها بشأن ما إذا كانت الشركة استغلت موقعها المهيمن لحماية خدماتها الخاصة.

ويمثل هذا التحرك واحداً من أكثر التدخلات الأوروبية حساسية في قطاع الذكاء الاصطناعي والمراسلة الفورية، لأنه يربط بين النفاذ إلى المستخدمين وبين قواعد المنافسة الرقمية. كما يعكس اتجاهاً أوروبياً أكثر صرامة تجاه المنصات الكبرى، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالبنية التي تعتمد عليها الشركات الناشئة لتقديم خدماتها والوصول إلى الجمهور.

خلفية التحقيق الأوروبي

بدأت القضية بعد شكاوى قدمتها شركات ناشئة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، بينها شركة أميركية مطورة لمساعد ذكي، إضافة إلى شركة فرنسية ناشئة ومنافس إسباني. وقد دفعت تلك الشكاوى المفوضية الأوروبية إلى فتح تحقيق رسمي في أواخر العام الماضي، قبل أن توجه اتهامات أولية إلى «ميتا» خلال الأشهر التالية بشأن انتهاك قواعد المنافسة.

وترى المفوضية أن الأسواق الرقمية سريعة الحركة قد تشهد إغلاقاً فعلياً أمام المنافسين قبل صدور أي حكم نهائي، وهو ما يبرر اللجوء إلى إجراءات مؤقتة. وفي هذا السياق، شددت مسؤولة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي على أن الحفاظ على بوابة دخول رئيسية مثل «واتساب» ضروري لضمان المنافسة العادلة في سوق مساعدات الذكاء الاصطناعي، ومنع ترسيخ الهيمنة عبر التحكم في الوصول إلى المستخدمين.

ما الذي تغيّر في «واتساب للأعمال»؟

تعود جذور الخلاف إلى قرار سابق اتخذته «ميتا» بحظر خدمات الذكاء الاصطناعي المنافسة من واجهة برمجة تطبيقات «واتساب للأعمال»، مع الإبقاء على خدمة الشركة الخاصة فقط. وتعد هذه الواجهة التقنية بمثابة القناة التي تسمح للأنظمة الخارجية بالتكامل مع التطبيق، ما يجعلها أداة أساسية لكل شركة ترغب في تقديم خدمات آلية لعملاء واتساب.

لاحقاً، سُمح لبعض الخدمات بالعودة لكن وفق نموذج مدفوع، وهو ما اعتبرته المفوضية التفافاً على جوهر قواعد المنافسة. وبموجب القرار المؤقت الحالي، ستضطر «ميتا» إلى إعادة فتح الوصول أمام المنافسين وفق الشروط نفسها التي كانت قائمة قبل الحظر، وذلك خلال مهلة قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام عمل.

ويعني ذلك أن الشركات المنافسة ستتمكن من مواصلة اختبار نماذجها وخدماتها على واحدة من أكبر منصات المراسلة في العالم، من دون أن تتحول تكلفة النفاذ إلى حاجز يمنعها من التوسع أو يضعف قدرتها على الابتكار.

أهمية القرار لسوق الذكاء الاصطناعي

يحمل القرار بعداً يتجاوز الخلاف بين جهة تنظيمية وشركة تقنية واحدة، لأنه يتصل ببنية المنافسة في الاقتصاد الرقمي الأوروبي. فالوصول إلى قنوات التوزيع الأساسية أصبح اليوم عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن جودة المنتج نفسه. وفي سوق مساعدات الذكاء الاصطناعي، يمكن لمنصة واحدة واسعة الانتشار أن تمنح الأفضلية لجهة بعينها إذا أغلقت الباب أمام الآخرين.

ومن هذا المنطلق، يفسر القرار على أنه رسالة إلى شركات التكنولوجيا الكبرى بأن السيطرة على المنصة لا تمنح حق تفضيل الخدمات الداخلية أو رفع كلفة دخول المنافسين إلى السوق. كما أنه يفتح نقاشاً أوسع حول كيفية موازنة الابتكار مع تنظيم الأسواق الرقمية، خاصة عندما تتقاطع البيانات، والرسائل الفورية، وأدوات الذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة.

ويأتي ذلك في وقت تتسارع فيه الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، وتزداد فيه أهمية البنية التحتية الرقمية التي تتحكم في التوزيع والوصول. لذلك، فإن أي قيود على الربط التقني قد تُقرأ على أنها محاولة لإعادة رسم قواعد السوق قبل أن تتشكل معالم المنافسة بصورة ناضجة.

رد «ميتا» والسيناريوهات المقبلة

رفضت «ميتا» القرار واعتبرته تجاوزاً تنظيمياً، معلنة عزمها على الطعن فيه قانونياً. وتقول الشركة إن الإجراء الأوروبي يمنح جهات كبيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي استخداماً مجانياً لأداة مدفوعة، بينما تتحمل الشركات الأخرى التزامات ورسوم التشغيل ذاتها. كما ترى أن تدخل المفوضية يتسم بقدر كبير من التشدد ويضر بنموذجها التجاري.

لكن مقابل هذا الموقف، تلوح في الأفق مخاطر أكبر على الشركة إذا انتهت التحقيقات النهائية إلى إدانتها، إذ قد تواجه غرامات ضخمة تصل إلى 10 في المائة من مبيعاتها السنوية العالمية. وهذا الاحتمال يرفع مستوى الضغط القانوني على واحدة من أكبر منصات التواصل والإعلانات في العالم، في وقت تتوسع فيه المنافسة داخل سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة غير مسبوقة.

ومن المرجح أن تستمر القضية في تشكيل سابقة مهمة لصناعة التكنولوجيا، لأنها تختبر قدرة الجهات التنظيمية الأوروبية على فرض قواعد النفاذ العادل إلى المنصات الكبرى، خصوصاً حين تصبح هذه المنصات بوابات حيوية لتوزيع خدمات الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة للشركات الناشئة، فإن النتيجة قد تحدد إلى حد كبير ما إذا كان بإمكانها المنافسة على قدم المساواة أو ستظل رهينة لقرارات الشركات المالكة للبنية الأساسية الرقمية.

رسالة أوسع إلى الاقتصاد الرقمي

تُظهر هذه الخطوة أن تنظيم الاقتصاد الرقمي في أوروبا لم يعد يقتصر على البيانات والخصوصية، بل يمتد بصورة واضحة إلى المنافسة على البنية التحتية نفسها. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في صميم الخدمات الاستهلاكية والتجارية، تصبح واجهات الربط وقنوات التوزيع عناصر استراتيجية لا تقل أهمية عن الخوادم والخوارزميات.

كما أن القرار يعكس اتجاهاً تنظيمياً يسعى إلى منع الشركات الكبرى من استخدام قوتها في منصة واحدة لترجيح كفة خدماتها في أسواق مجاورة. وفي قطاع سريع النمو مثل مساعدات الذكاء الاصطناعي، قد يكون السماح المتكافئ بالوصول هو الفارق بين سوق مفتوح وآخر مغلق فعلياً.

وبينما تستعد «ميتا» للطعن في القرار، يبقى الأثر الحقيقي لهذه الخطوة مرتبطاً بما ستسفر عنه التحقيقات النهائية. لكن المؤكد حالياً أن أوروبا ترسل إشارة واضحة مفادها أن النفاذ إلى المنصات الرقمية الكبرى لم يعد امتيازاً يمكن التحكم فيه وفق المصالح التجارية وحدها، بل مسألة خاضعة لرقابة تنافسية صارمة.