20-Jul-2026 6 دقائق قراءة

شركات الشحن تبتعد عن مسار هرمز وسط تصاعد المخاطر الأمنية وتراجع الثقة بالممر الأمريكي

تتزايد حالة الحذر بين شركات الشحن بعد هجمات استهدفت ناقلات قرب مضيق هرمز، فيما تواجه المبادرة الأمريكية لتنسيق العبور تحديات بسبب المخاوف الأمنية وارتفاع مستوى المخاطر البحرية.

تتعامل شركات الشحن الدولية مع مضيق هرمز بحذر متزايد، بعدما تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر نقاط العبور حساسية في تجارة الطاقة العالمية. فالممر الذي ظل لعقود شرياناً ثابتاً لصادرات النفط والغاز من الخليج، بات يواجه موجة جديدة من الاضطراب الأمني دفعت بعض المشغلين إلى إعادة حساباتهم بشأن المسار والوجهة والتأمين وتكاليف التشغيل.

وكانت السفن تمر عبر المضيق عبر ممرات ملاحية آمنة وضعتها المنظمة البحرية الدولية عام 1968 ضمن نظام فصل حركة الملاحة. غير أن المشهد تغيّر مع تصاعد الهجمات الأخيرة، ما جعل جزءاً من القطاع يعتبر أن البيئة التشغيلية لم تعد تمنح المستوى المعتاد من اليقين، خصوصاً في الجانب العماني من المضيق الذي كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره أقل عرضة للمخاطر.

مخاوف أمنية تدفع إلى إعادة توجيه المسارات

بحسب مصادر في قطاع الشحن، فإن العديد من الشركات باتت ترى أن المرور عبر المسار العماني لم يعد آمناً كما كان في السابق. ويأتي ذلك في ظل سلسلة هجمات استهدفت سفناً تجارية خلال الفترة الأخيرة، من بينها ناقلتان نفطيتان إماراتيتان أعلنت جهة إيرانية مسؤوليتها عن استهدافهما، إضافة إلى سفن أخرى تعرضت لأضرار خلال الأسابيع الماضية.

وتشير بيانات أممية وتحليلات لقطاع الملاحة إلى أن خمس سفن، بينها ثلاث ناقلات نفط وناقلة غاز طبيعي مسال وناقلة حاويات، تعرضت لهجمات منذ السابع من يوليو. هذا التتابع في الحوادث عزز الانطباع لدى شركات التأمين والمشغلين البحريين بأن المخاطر لم تعد نظرية، بل أصبحت جزءاً من معادلة التشغيل اليومية.

وأفاد أحد المصادر أن شركته قررت عدم استخدام المضيق عبر النظام الذي تنسقه الولايات المتحدة، بسبب المخاوف الأمنية، مضيفاً أن واشنطن لا تبدو قادرة على فرض سيطرة كاملة على الوضع. ويعكس هذا الموقف فجوة واضحة بين الجهود العسكرية المعلنة وبين تقدير السوق الفعلي لمستوى الأمان.

المبادرة الأمريكية تواجه اختبار الثقة

في يونيو الماضي، أطلقت الولايات المتحدة نظاماً لتنسيق عبور الناقلات، مستخدمة طائرات مسيرة وزوارق ومروحيات بهدف حماية تدفق صادرات الطاقة من الخليج وتقليل اضطرابات سوق النفط. الفكرة كانت تقوم على توفير مظلة مرافقة وتعزيز التواصل بين السفن والقوات الأمريكية العاملة في المنطقة، بما يحد من احتمالات الاستهداف أو الارتباك أثناء العبور.

ورغم ذلك، قال مسؤول عسكري أمريكي إن أكثر من 100 سفينة نسقت عبورها مع الجيش الأمريكي خلال الأسبوع الماضي، بينما عبرت أكثر من 300 سفينة المنطقة، واعتبر ذلك دليلاً على أن الإجراءات تؤدي وظيفتها. لكن مصادر شحن ترى أن الأرقام وحدها لا تكفي لإقناع السوق، ما دام الخطر المباشر ما يزال قائماً على مسارات محددة وبالأخص قرب السواحل العمانية.

ويؤكد محلل شؤون الشرق الأوسط في شركة فيريسِك مابلكروفت، توربيورن سولفيدت، أن استمرار استهداف السفن على المسار العماني يضعف فرص نجاح المبادرة الأمريكية. فالمشغلون لا ينظرون فقط إلى قدرة القوات على المراقبة، بل أيضاً إلى ما إذا كانت تلك القدرة تمنع الهجمات فعلاً أو تخفف كلفتها الاقتصادية على شركات الملاحة.

الغاز الطبيعي المسال يدخل دائرة التأثر

لم تعد المخاطر محصورة في ناقلات النفط، إذ امتدت إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، وهو قطاع حساس بطبيعته بسبب اعتماد الشحنات على جداول دقيقة وتسليمات مرتبطة بعقود طويلة الأجل. ووفقاً لمصدر في الشحن، فإن تسع ناقلات غاز طبيعي مسال تديرها شركات يونانية علقت داخل الخليج بسبب المخاوف الأمنية، فيما تعرضت ناقلتان أخريان لهجمات خارج المضيق منذ مطلع يوليو.

هذا التطور يهدد بزيادة الضغط على الإمدادات الآسيوية والأوروبية في حال استمر التعطل أو امتدت التأخيرات. كما يرفع تكاليف التأمين والتمويل ويزيد احتمالات إعادة جدولة الرحلات، وهو ما ينعكس على هوامش الربح في قطاع يعتمد أصلاً على التنافسية العالية وتدفق السلع في الوقت المناسب.

وفي بيئة كهذه، تصبح القرارات التشغيلية مرتبطة ليس فقط بمخاطر القرصنة أو الهجمات المباشرة، بل أيضاً بتقدير الشركات لمسؤولياتها تجاه الطواقم والبضائع والعقود طويلة الأمد. لذلك، فإن خيار التريث أو تغيير المسار قد يبدو، بالنسبة لبعض الشركات، أقل تكلفة من المجازفة بالمرور في منطقة غير مستقرة.

إغلاق المسارات يرفع كلفة التجارة العالمية

زاد القلق في أسواق الشحن بعد تهديد إيران بإغلاق المزيد من مسارات التصدير، عقب إعادة الولايات المتحدة فرض حصار بحري على موانئها. كما لوحت طهران بإمكانية استخدام الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، وهو ممر آخر بالغ الأهمية يربط التجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وخليج عدن.

إذا اجتمع الضغط على هرمز مع اضطراب باب المندب، فإن ذلك يعني أن جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية قد يصبح مهدداً في وقت واحد. هذا السيناريو لا يرفع فقط أسعار الشحن، بل يربك سلاسل الإمداد ويجبر الشركات على التفكير في بدائل أطول وأعلى تكلفة، سواء عبر طرق بحرية بديلة أو عبر تأجيل بعض الشحنات.

وتتصل هذه التطورات مباشرة بمخاوف أسواق النفط، لأن أي تعطيل في هرمز ينعكس سريعاً على توقعات الإمدادات العالمية. ومن هنا تأتي حساسية التصريحات الرسمية وقرارات الشركات، إذ يمكن لأي إشارة إلى تراجع الأمان أن تترجم فوراً إلى تحركات في العقود الآجلة والتأمين ورسوم المرور البحرية.

تحذيرات الشركات الأمنية تتسع

إلى جانب الموقف التجاري، برزت توصيات من شركات أمن بحري في اليونان، من بينها ديابلوس وماريسكس، دعت إلى تعليق الرحلات، معتبرة أن العبور عبر المضيق لا يزال يفتقر إلى مستوى مقبول من الأمان. وتكتسب هذه التحذيرات وزناً خاصاً لأن شركات الأمن البحري غالباً ما تؤثر في قرارات شركات التأمين والمالكين والمشغلين قبل اتخاذ أي خطوة تشغيلية.

كما رفعت البحرية الأمريكية مستوى المخاطر في المضيق إلى درجة شديدة، في إشارة إلى أن البيئة الملاحية باتت تحتاج إلى درجة أعلى من التحوط. ومع ذلك، تقول خمسة مصادر إن شركات الشحن لم تحصل على توضيحات كافية بشأن طبيعة المخاطر أو حدود التغطية الأمنية المتاحة، وهو ما يزيد من صعوبة اتخاذ القرار.

وفي هذا السياق، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان المضيق مفتوحاً من الناحية القانونية، بل حول ما إذا كان العبور فيه لا يزال مجدياً من الناحية العملية والمالية. فالمعادلة بالنسبة لشركات النقل البحري تعتمد على توازن دقيق بين السرعة والكلفة والأمان، وأي خلل في أحد هذه العناصر قد يدفع إلى تغيير الخطة بالكامل.

بين الانفتاح القانوني والقلق التشغيلي

ورغم تأكيدات أمريكية بأن مضيق هرمز مفتوح أمام جميع السفن باستثناء الإيرانية، فإن هذا لا يبدد تحفظات السوق. فالمشغلون يتعاملون مع الشحن بوصفه نشاطاً حساساً للهامش الزمني والمخاطر السياسية، ومع غياب ضمانات عملية كافية، تصبح الرسائل السياسية أقل تأثيراً من تقارير الرصد البحري والتحذيرات الميدانية.

ويظهر من مجمل التطورات أن مضيق هرمز لا يزال مفتوحاً من حيث الحركة، لكنه يواجه أزمة ثقة فعلية من جانب شركات الشحن. وإذا استمرت الهجمات والتهديدات بالمستوى نفسه، فقد يتسع نطاق التحول إلى مسارات أكثر أماناً، حتى لو كانت أطول وأغلى، لأن الأولوية القصوى لدى القطاع تبقى حماية السفن والبضائع والطواقم.

وبينما تتواصل محاولات تأمين العبور، تبدو السوق البحرية أمام مرحلة اختبار طويلة، قد تعيد رسم خرائط المرور في الخليج وتفرض على شركات الطاقة والشحن إعادة تقييم كامل لسلسلة الإمداد في المنطقة.