عودة التركيز إلى جانب العرض
سجلت أسعار الألمنيوم ارتفاعاً في تعاملات الاثنين، مع عودة المستثمرين إلى مراقبة جانب العرض في سوق المعادن الأساسية، بعدما تصاعدت المخاوف من احتمال حدوث نقص في الإمدادات وتواصل هبوط المخزونات العالمية. وجاء التحسن في الأسعار رغم أن السوق كان قد لامس في وقت سابق أدنى مستوى له منذ منتصف فبراير، ما يعكس تقلباً واضحاً في شهية المتعاملين تجاه المعدن الصناعي الأكثر ارتباطاً بحركة التصنيع والبنية التحتية.
وبلغ سعر الألمنيوم القياسي في بورصة لندن للمعادن 3115 دولاراً للطن المتري، مرتفعاً بنحو 0.8 في المائة بحلول منتصف الجلسة تقريباً بتوقيت غرينتش. وكان السوق قد نزل إلى 3040 دولاراً قبل ذلك، قبل أن تعيده التطورات المرتبطة بالإمدادات إلى المسار الصعودي.
الشرق الأوسط في صلب معادلة السوق
أحد العوامل الرئيسية التي دعمت الأسعار تمثل في تصاعد الآمال بإمكانية استئناف شحنات من الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحسن في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. وتكتسب المنطقة أهمية كبيرة في سوق الألمنيوم، إذ تمثل نحو 9 في المائة من الطاقة العالمية لصهر المعدن، ما يجعل أي اضطراب في مسارات التوريد أو الملاحة مؤثراً على التوازن العالمي بين العرض والطلب.
ورغم هذا التفاؤل النسبي، يرى محللون أن عودة الإمدادات عبر الممرات البحرية، بما فيها مضيق هرمز، لن تكون كافية على الأرجح لإخراج السوق من حالة العجز خلال هذا العام. ويشير ذلك إلى أن العوامل الهيكلية الضاغطة على الإمدادات ما زالت أقوى من أي تحسن مؤقت في حركة الشحن أو مؤشرات التهدئة الجيوسياسية.
توقعات بعجز مستمر في السوق
تقديرات بيوت الخبرة في سوق السلع تعزز هذا الاتجاه. فبحسب تقديرات محللي «ماكواري»، من المتوقع أن ينخفض إنتاج الشرق الأوسط من الألمنيوم إلى 4.44 مليون طن هذا العام، أي بتراجع يقارب 35 في المائة مقارنة بالعام الماضي. كما تتوقع المجموعة أن يواجه السوق عجزاً يقارب 930 ألف طن خلال 2026، وهو مستوى كافٍ للإبقاء على الأسعار مدعومة إذا استمرت اختناقات الإنتاج أو الشحن.
هذا النوع من التقديرات يكتسب أهمية مضاعفة في سوق الألمنيوم، لأن المعدن يستخدم على نطاق واسع في قطاعات النقل والتغليف والبناء والطاقة، ما يجعل أي نقص في المعروض ينعكس سريعاً على سلاسل التوريد الصناعية وأسعار المدخلات لدى الشركات المصنعة.
المخزونات تهبط إلى أدنى مستوى منذ 2022
إلى جانب مخاطر الإمداد، كشفت بيانات المخزون عن عامل آخر داعم للأسعار، إذ تراجعت الكميات المخزنة في المستودعات المعتمدة لدى بورصة لندن للمعادن إلى 295550 طناً. ويمثل هذا الهبوط انخفاضاً يتجاوز 40 في المائة منذ أواخر يناير، إلى أدنى مستوى منذ سبتمبر 2022.
كما أظهرت البيانات أن نحو 16 في المائة من تلك الكميات كانت ملغاة أو مخصصة للتسليم، بما يعني خروج 48950 طناً إضافياً فعلياً من النظام المرتبط بالبورصة. وهذا الانخفاض في المخزون المتاح للتداول يحد من قدرة السوق على امتصاص أي صدمات جديدة في الإمداد، ويزيد من حساسية الأسعار تجاه الأخبار المتعلقة بالشحن أو الإنتاج.
النحاس يترقب الرسوم الأميركية المحتملة
في سوق المعادن الأخرى، تراقب الأسواق عن كثب تطورات مراجعة محتملة لفرض رسوم جمركية أميركية على واردات النحاس. وكانت التوقعات السابقة تشير إلى قرار قد يصدر بنهاية يونيو، لكن تحليلات حديثة أوضحت أن الموعد المذكور كان يتعلق بتحديث يقدمه وزير التجارة إلى الرئيس، وليس بإعلان نهائي.
هذه الضبابية أبقت المتعاملين في حالة ترقب، خصوصاً بعد أن بدأ التجار والمنتجون شحن كميات أكبر من المعادن إلى الولايات المتحدة منذ فتح تحقيق مرتبط بالأمن القومي في فبراير من العام الماضي. وفي حال فرض رسوم جديدة، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التشوه في تدفقات التجارة العالمية وإعادة توزيع المخزونات بين الأسواق.
مخزونات النحاس الأميركية تقفز بشكل حاد
بيانات بورصة «كومكس» أظهرت أن مخزونات النحاس قفزت بنحو 600 في المائة منذ بدء ذلك المسار، لتصل إلى 668691 طناً قصيراً، أو ما يعادل 606626 طناً مترياً. وجاء جزء مهم من هذه الكميات من مخزونات بورصة لندن للمعادن، ما يعكس انتقالاً في مراكز التخزين بفعل الرهانات على الرسوم والاختلافات السعرية بين الأسواق.
ورغم أن هذا التطور يتعلق بالنحاس أكثر من الألمنيوم، فإنه يعكس بوضوح كيف يمكن للتوقعات التنظيمية والجمركية أن تعيد تشكيل حركة المعادن الصناعية في الأسواق العالمية. كما يوضح مدى ارتباط الأسعار حالياً بعوامل السياسة التجارية، وليس فقط بالطلب الفعلي من المصانع والمشروعات.
تباين الأداء بين المعادن الأساسية
شهدت المعادن الأساسية الأخرى حركة متباينة خلال الجلسة. فقد ارتفع النحاس في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.2 في المائة إلى 13387 دولاراً للطن، وزاد الزنك 0.8 في المائة إلى 3569 دولاراً، كما صعد القصدير 0.7 في المائة إلى 52985 دولاراً. في المقابل، تراجع الرصاص 0.1 في المائة إلى 1889 دولاراً، وانخفض النيكل 1.1 في المائة إلى 16250 دولاراً.
هذا التباين يعكس اختلاف العوامل المؤثرة على كل معدن، سواء من حيث مستويات المخزون، أو التوقعات الصناعية، أو التعرض للمخاطر الجيوسياسية والجمركية. ومع بقاء الألمنيوم تحت ضغط نقص المعروض، يظل من بين أكثر المعادن حساسية لأي تغيير في الإمدادات أو الشحنات العالمية خلال الأشهر المقبلة.
ما الذي يعنيه ذلك لأسواق الأعمال والاقتصاد الرقمي؟
بالنسبة لأسواق الأعمال، فإن تحركات الألمنيوم لا تقتصر على شاشة التداول، بل تمتد إلى تكلفة الإنتاج في قطاعات مرتبطة بالتحول الصناعي والرقمي، مثل مراكز البيانات، والأجهزة الإلكترونية، ومكونات الطاقة المتجددة، وحلول النقل الخفيف. أي ارتفاع مستدام في أسعار المعدن قد ينعكس على هوامش الشركات الصناعية والموردين، ويزيد من ضغوط التسعير في سلاسل التوريد العالمية.
أما في الاقتصاد الرقمي، فإن تتبع حركة هذه السلع أصبح جزءاً من أدوات التخطيط لدى الشركات التي تعتمد على مدخلات معدنية في منتجاتها وتقنياتها. ومع استمرار انخفاض المخزونات ووجود مخاطر على الإمدادات، تبدو السوق مرشحة لمزيد من التقلب، في انتظار ما إذا كانت التحسنات الجيوسياسية ستترجم فعلاً إلى وفرة في المعروض أم ستبقى مجرد تهدئة مؤقتة لا تكفي لتغيير الصورة الأساسية.