تقديرات لعودة المصافي إلى مستويات تشغيل مرتفعة
قالت فيتول البحرين إن قطاع تكرير النفط في الشرق الأوسط قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين 40 و60 يوماً حتى يستعيد جزءاً كبيراً من عافيته التشغيلية بعد الأزمة الأخيرة. وتشير التقديرات إلى أن المصافي يمكن أن تعود خلال هذه المدة إلى العمل عند مستويات تقارب 90% إلى 95% من طاقتها المعتادة، وهو ما يعكس سرعة نسبية في التكيف مع اضطرابات الإمداد، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الضغط الذي تعرضت له المنظومة النفطية في المنطقة.
وتأتي هذه القراءة في سياق أوسع يشهد حساسية مرتفعة في أسواق الطاقة العالمية، حيث تؤثر التطورات الجيوسياسية وأمن الممرات البحرية بشكل مباشر في تدفقات الخام والمنتجات المكررة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة المصافي على استعادة نشاطها معياراً مهماً لقياس سرعة عودة التوازن إلى السوق.
الخسائر في الطاقة التكريرية الخليجية
أوضح نور الدين أن مصافي النفط في دول الخليج، ومن بينها سلطنة عمان الواقعة جنوب مضيق هرمز، فقدت نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير نتيجة إغلاق المضيق. وهذه الخسارة لا تمثل مجرد تراجع في الإنتاج المحلي للمشتقات النفطية، بل تمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد والتخزين والنقل البحري، إضافة إلى توازن العرض والطلب في أسواق الوقود الإقليمية.
ويُعد مضيق هرمز واحداً من أكثر الممرات البحرية أهمية في تجارة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط الخام والمنتجات المرتبطة به. وأي اضطراب في حركة الملاحة هناك ينعكس سريعاً على المصافي والموانئ والعقود الفورية والآجلة، كما يرفع من درجة المخاطرة لدى المشترين والمصنعين والموردين على حد سواء.
تداعيات عالمية على الإمدادات والأسعار
بحسب التقديرات الواردة، فقدت السوق العالمية إمدادات تعادل نحو 14 مليون برميل يومياً من دول منتجة في الشرق الأوسط، وذلك على خلفية الحرب على إيران والهجمات على البنية التحتية للطاقة والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، إلى جانب الحصار البحري الأمريكي الذي تبع ذلك. هذه الأرقام تعكس حجم التأثير المحتمل للأزمة على السوق الدولية، سواء من حيث توافر الخام أو من حيث الطاقة اللازمة لتكريره وتوزيعه.
وعندما تتقلص الإمدادات بهذا الحجم، تتحرك الأسواق عادة في أكثر من اتجاه. فمن جهة قد ترتفع علاوات المخاطر على شحنات النفط، ومن جهة أخرى قد تبحث المصافي في أسواق بديلة عن خامات أقل تعرضاً للاضطراب. كما يمكن أن ينعكس ذلك على أسعار الوقود والمنتجات المكررة في عدد من الأسواق المستوردة، خصوصاً تلك التي تعتمد على الواردات لتغطية جزء كبير من احتياجاتها.
أهمية استعادة التشغيل للمصافي والشحن
استعادة المصافي مستوى تشغيل يتراوح بين 90% و95% لا تعني فقط عودة الإنتاج إلى مساره المعتاد، بل تشير أيضاً إلى تحسن في إدارة المخزون والقدرة اللوجستية على نقل المنتجات إلى الأسواق. وفي قطاع التكرير، تُعد أي عودة تدريجية إلى الطاقة الكاملة خطوة محورية لتخفيف الضغط على أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات والبتروكيماويات المرتبطة بهما.
كما أن إعادة تشغيل المصافي بكفاءة في المنطقة تمنح الشركات قدرة أكبر على تلبية الطلب المحلي والإقليمي، وتقلل من الحاجة إلى الاستيراد من مناطق أبعد، وهو ما يحد من كلفة الشحن والتأمين. وفي المقابل، فإن استمرار الاضطراب لفترة أطول قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة تقييم مسارات التوريد وخطط الاستثمار في التخزين والطاقة التكريرية.
قطاع التكرير تحت ضغط الاستثمار والأمن
الرسالة الأوسع من هذا التطور لا تتعلق فقط بالحدث الطارئ، بل تكشف أيضاً هشاشة بعض حلقات سلسلة الطاقة أمام الأزمات المفاجئة. فالمصافي تحتاج إلى استثمارات مستمرة في الصيانة والتحديث والمرونة التشغيلية، كما تحتاج الأسواق إلى بيئة مستقرة تضمن انسياب الخام والمنتجات دون انقطاع. وعندما تتزامن المخاطر الأمنية مع ضغوط السوق، تصبح الفجوة بين الطاقة الإنتاجية المتاحة والطلب الفعلي أكثر وضوحاً.
وفي الشرق الأوسط، يظل التكرير جزءاً محورياً من معادلة الطاقة، ليس فقط باعتباره نشاطاً صناعياً، بل أيضاً كعامل مؤثر في التجارة الخارجية والإيرادات والتوظيف والخدمات اللوجستية. لذلك فإن أي عودة سريعة للمصافي إلى مستويات شبه طبيعية تعد مؤشراً إيجابياً، حتى وإن بقيت آثار الأزمة حاضرة في السوق لبعض الوقت.
وتبرز هذه التطورات أيضاً أهمية تنويع مصادر الإمداد وتوسيع المرونة التشغيلية لدى الشركات العاملة في النفط والغاز. فالسوق العالمية، كما تظهر هذه الأزمة، ما زالت شديدة الحساسية لأي اضطراب في الشرق الأوسط، سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو التكرير أو النقل البحري أو أمن الممرات الحيوية.