الذهب يعود إلى صدارة النقاش النقدي
فتح صندوق النقد الدولي ملف الذهب من جديد في تقرير تحليلي موسع تناول فيه تغيرات تكوين الاحتياطيات الرسمية لدى البنوك المركزية حول العالم. وجاءت الرسالة الأساسية للتقرير واضحة: الارتفاع الكبير في وزن الذهب داخل الأصول الاحتياطية لا يعكس بالضرورة قوة مالية إضافية بقدر ما يعكس موجة صعود تاريخية في الأسعار.
ويرى الصندوق أن هذا التحول يحتاج إلى قراءة أكثر حذراً، لأن الاعتماد المتزايد على الذهب قد يمنح انطباعاً مضللاً بزيادة المتانة الاحتياطية، في حين أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة محاسبي في طبيعته، لا ناتجاً من توسع فعلي في الكميات المملوكة.
وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، ارتفعت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية من 10 في المائة في يناير 2019 إلى أكثر من 22 في المائة بحلول أغسطس 2025، في مؤشر يعكس التحول السريع في هيكل الاحتياطي العالمي خلال سنوات قليلة.
قفزة في القيمة لا في الكمية
يكشف التقرير عن مفارقة مهمة في سوق الاحتياطيات الدولية. فبين عامي 2018 و2025، صعدت القيمة السوقية الإجمالية لحيازات الذهب لدى البنوك المركزية بنحو 3.2 تريليون دولار لتصل إلى 4.5 تريليون دولار، أي بزيادة تقارب 268 في المائة. لكن المخزون المادي الفعلي من الذهب لم يرتفع سوى بنسبة 8.5 في المائة تقريباً.
هذا الفارق الكبير بين القيمة والحجم يعني أن معظم التحسن الظاهري في الاحتياطيات جاء من ارتفاع الأسعار العالمية، لا من موجة شراء واسعة. ويشير الصندوق إلى أن نحو ثلثي الزيادة في القيمة الصافية تحققت لدى بنوك مركزية لم تغير كميات الذهب لديها، وإنما استفادت فقط من إعادة تقييم الأصول القائمة.
أما البنوك التي اتجهت إلى شراء الذهب فعلياً، فقد رفعت حيازاتها المادية بنسبة 36 في المائة، وكان المحرك الأساسي وراء ذلك هو تنويع الأصول والبحث عن تحصين أكبر ضد التقلبات المالية والجيوسياسية.
الذهب كأداة تحوط... ولكن بشروط
لا ينفي صندوق النقد الدولي أن الذهب يظل أصلاً مهماً في بعض البيئات المالية، لكنه يرفض التعامل معه باعتباره ملاذاً آمناً مطلقاً. فوظيفته التحوطية تختلف باختلاف نوع الصدمة الاقتصادية، وحالة الأسواق، ومسار أسعار الفائدة الحقيقية، وحركة الدولار الأميركي.
ويؤكد التقرير أن الذهب أثبت تاريخياً قدرة على أداء دور دفاعي في مواجهة تراجع الدولار أو هبوط الفائدة الحقيقية، لكن هذا الدور أصبح أقل ثباتاً منذ جائحة كوفيد-19. فمع انتقال الاقتصاد العالمي إلى مرحلة تشديد نقدي وصدمات تضخمية مرتبطة بجانب العرض، تراجعت بعض الخصائص التقليدية التي كانت تمنح الذهب أفضلية واضحة في أوقات الاضطراب.
كما أظهرت النماذج الإحصائية التي استند إليها الصندوق أن عوائد الذهب خلال الأزمات الحادة لا تتحرك دائماً في اتجاه إيجابي ثابت، بل تميل إلى التوزع حول الصفر تقريباً في بعض فترات التوتر، بما في ذلك فترات ارتفاع مؤشر الخوف ومخاطر الجيوسياسة.
إشكالية السيولة واستخدام الذهب في الأزمات
يركز التقرير كذلك على الفجوة بين القيمة الدفترية للذهب وقدرته الفعلية على توفير سيولة فورية عند الحاجة. فصحيح أن السوق العالمية للذهب شديدة العمق، وأن حجم التداول اليومي في لندن وحدها كبير، لكن هذا لا يعني أن الذهب يصلح تلقائياً ليكون جزءاً من أدوات التدخل السريع في النقد الأجنبي أو لتغطية المدفوعات العاجلة.
ولهذا السبب، يوصي الصندوق بفصل الذهب عن شريحة السيولة التي تعتمد عليها البنوك المركزية للدفاع الفوري عن العملات الوطنية، وحصره ضمن الشريحة الاستثمارية طويلة الأجل. ويرى أن تحويله إلى أداة تشغيلية سريعة في الأزمات قد يكون أصعب بكثير مما توحي به قيمته السوقية.
ويضيف التقرير أن تخزين الذهب داخل الحدود الوطنية قد يحميه من مخاطر التجميد والعقوبات، لكنه في المقابل يقلل من جاهزيته للتحول إلى سيولة فورية تُستخدم في التدخل أو السداد الدولي، وهو ما يفرض معادلة صعبة بين الأمان والسيولة.
اقتراح بخصومات مخاطر أعلى
ومن أكثر النقاط لفتاً في التقرير توصية صندوق النقد بتطبيق خصومات مخاطرة على الذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات، تتراوح بين 6 و12 في المائة من قيمته السوقية. ويعد هذا الخصم المقترح أعلى بكثير من الخصم المطبق على بعض الأصول الحكومية عالية الجودة، ما يعكس نظرة أكثر تحفظاً إلى قدرة الذهب على أداء وظيفة الاحتياطي تحت الضغط.
ويستند هذا التقدير إلى أن الذهب، رغم جاذبيته التاريخية، يظل عرضة لتقلبات سعرية حادة، وقد تتحول قيمته المرتفعة في فترات معينة إلى مصدر وهمي للقوة المالية إذا تراجعت الأسعار لاحقاً.
كما يشير الصندوق إلى أن الاعتماد المفرط على تقييمات الذهب الحالية قد يؤدي إلى مبالغة في تقدير قدرة البنوك المركزية على امتصاص الصدمات، خاصة إذا كانت هذه الصدمات مرتبطة بتوترات سوقية أو جيوسياسية مفاجئة.
الشراء المحلي للذهب ومخاطر «شبه المالية»
خصص التقرير جزءاً مهماً لتحذير البنوك المركزية من برامج شراء الذهب المحلي، ولا سيما تلك التي تستهدف الذهب غير النقدي أو الخام مباشرة من المناجم وصغار المنقبين. ويعتبر الصندوق هذه العمليات أقرب إلى أنشطة شبه مالية، لأنها تخرج عن المهمة الأساسية للبنك المركزي المرتبطة بالاستقرار النقدي والمالي.
ويحذر التقرير من أن هذا النوع من البرامج يخلق تحديات متعددة، من بينها أعباء إضافية على الميزانية العمومية للبنك المركزي، وتكاليف الفحص والنقل والتأمين والتصفية، إلى جانب الحاجة إلى إجراءات امتثال صارمة لمنع غسل الأموال أو توظيف عائدات غير مشروعة داخل الاحتياطيات الرسمية.
كما أن شراء الذهب محلياً قد يضخ سيولة جديدة بالعملة المحلية في الاقتصاد، وهو ما يزيد تعقيد إدارة التضخم والسيولة ما لم تتوفر أدوات قوية لامتصاص هذه الأموال لاحقاً عبر السوق المفتوحة أو عبر قنوات أخرى.
الرسالة الأساسية للتقرير
الخلاصة التي يطرحها صندوق النقد الدولي تميل إلى الحذر أكثر من الرفض الكامل. فالمؤسسة لا تنكر القيمة الاستراتيجية للذهب، لكنها ترى أن مكانه الطبيعي هو ضمن مزيج احتياطي متوازن ومدروس، لا في موقع بديل شامل للأصول السائلة أو سندات الخزانة أو العملات الأجنبية الرئيسية.
ويخلص التقرير إلى أن تنويع الاحتياطيات يجب أن يستند إلى حسابات استراتيجية طويلة الأجل، لا إلى إغراءات المكاسب الدفترية السريعة أو الضغوط السياسية المحلية. وفي عالم تزداد فيه الصدمات الجيوسياسية والتقلبات النقدية، يصبح التمييز بين الثراء المحاسبي والقدرة الفعلية على التدخل مسألة حاسمة لصناع القرار المالي.