سجلت أسعار الذهب الفورية ارتدادا محدودا في التعاملات الآسيوية، بعد أن هبطت في وقت سابق إلى أدنى مستوى لها منذ ستة أشهر، في تحرك يعكس محاولة السوق استيعاب بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة وانتظار إشارات أوضح بشأن مسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات السوق، ارتفع الذهب الفوري في الساعة 09:51 بتوقيت موسكو بنسبة 0.56% ليصل إلى 4095.29 دولارا للأونصة، بعدما لامس خلال الجلسة مستوى 4022.09 دولارا، وهو أدنى سعر يسجله منذ 21 نوفمبر الماضي.
في المقابل، لم يسر الاتجاه نفسه على العقود الآجلة للذهب التي تراجعت بنسبة 0.61% إلى 4108.10 دولارا للأونصة، ما يعكس تباينا في حركة التداول بين السوق الفورية والعقود المرتبطة بالتوقعات المستقبلية.
مستوى 4000 دولار يتحول إلى نقطة مراقبة أساسية
يرى محللون أن اقتراب الأسعار من مستوى 4000 دولار للأونصة أعاد تشكيل سلوك المتعاملين، إذ بات هذا المستوى يُنظر إليه كمنطقة دعم نفسية وفنية مهمة. وعندما يقترب الذهب من هذا النطاق، تميل بعض الصناديق والمضاربين إلى إغلاق مراكز بيعية لجني الأرباح، بينما يجد المشترون الحذرون فرصة للدخول من مستويات أقل.
وقال أحد المحللين في السوق إن التحرك نحو هذا المستوى قد يكون كافيا لدفع المتشائمين إلى تغطية مراكزهم سريعا، خاصة إذا ظهرت مؤشرات على أن الضغوط البيعية بلغت ذروتها. وفي الوقت نفسه، قد يشجع ذلك المستثمرين الذين يراهنون على الصعود على العودة تدريجيا إلى السوق.
وتأتي هذه الحركة في وقت لا يزال فيه الذهب حساسا بشدة لتغيرات العائدات الحقيقية وتوقعات الفائدة، إذ غالبا ما يستفيد المعدن الأصفر عندما تتراجع جاذبية الأصول المدرة للعائد أو عندما تتزايد احتمالات خفض الفائدة مستقبلا.
تضخم مايو يربك توقعات السياسة النقدية
تزايد اهتمام الأسواق بالذهب بعد صدور بيانات أظهرت أن مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة ارتفع في مايو 2026 بأسرع وتيرة له منذ ثلاث سنوات، مدفوعا بزيادة أسعار الطاقة في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
هذه القراءة دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على التحرك السريع نحو التيسير النقدي. فكلما بقي التضخم عند مستويات مرتفعة، تراجعت احتمالات خفض الفائدة على المدى القريب، وهو عامل عادة ما يضغط على الذهب لأنه لا يدر عائدا مباشرا.
وفي هذا السياق، تنتظر الأسواق أيضا صدور بيانات مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي لشهر مايو 2026 في وقت لاحق من اليوم، باعتبارها مؤشرا إضافيا على اتجاه الضغوط السعرية في الاقتصاد الأمريكي. وستساعد هذه البيانات المستثمرين على تحديد ما إذا كان التضخم ما يزال يتسارع أم أن الارتفاع الأخير كان مؤقتا.
الدولار تحت المجهر والتحركات الجيوسياسية تدعم الطلب
إلى جانب بيانات التضخم، يراقب المتعاملون أداء الدولار الأمريكي بوصفه عاملا رئيسيا في تسعير الذهب. فضعف العملة الأمريكية يجعل المعدن النفيس أرخص لحاملي العملات الأخرى، ما يعزز الطلب عليه، بينما يحد صعود الدولار من جاذبيته غالبا.
وأشار محللون إلى أن مؤشر الدولار لم يحقق مكاسب قوية بعد تقرير التضخم الصادر الأربعاء، وهو ما ساعد الذهب على التقاط أنفاسه. وإذا جاءت بيانات أسعار المنتجين دون مفاجآت سلبية جديدة، فقد يجد الذهب مساحة لتعويض جزء من خسائره في المدى القريب.
في الوقت نفسه، تلقي التطورات الجيوسياسية بظلها على أسواق السلع والمعادن. فقد أعلن الجيش الأمريكي أن الولايات المتحدة بدأت موجة جديدة من الضربات على أهداف متعددة خلال الليل في إيران، بعد تهديدات أمريكية بمزيد من الهجمات ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام. مثل هذه التطورات عادة ما تدعم الأصول الدفاعية، وفي مقدمتها الذهب، باعتباره ملاذا مهما في أوقات عدم اليقين.
تحركات متباينة في المعادن النفيسة الأخرى
لم يكن الذهب وحده الذي شهد تحركات لافتة، إذ سجلت المعادن النفيسة الأخرى مكاسب متفاوتة خلال الجلسة نفسها. فقد ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 0.3% إلى 63.86 دولارا للأونصة، بينما زاد البلاتين بنسبة 0.6% ليصل إلى 1673.75 دولارا للأونصة. كما صعد البلاديوم بنسبة 2.2% إلى 1239.89 دولارا للأونصة.
وتعكس هذه الارتفاعات أن قطاع المعادن النفيسة ما يزال يتحرك ضمن بيئة متقلبة، تجمع بين توقعات الفائدة الأمريكية، وقوة الدولار، والمخاطر الجيوسياسية، وتغيّر شهية المستثمرين تجاه الأصول الآمنة. وفي مثل هذا المناخ، قد تتسع التذبذبات السريعة في الأسعار حتى في الجلسة الواحدة.
وبالنسبة للمتعاملين في الأسواق، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان الارتداد الحالي للذهب مجرد تصحيح فني بعد هبوط حاد، أم بداية مرحلة استقرار جديدة قد تسمح للمعدن بالتماسك فوق مستويات الدعم الحالية. والإجابة عن ذلك ستعتمد بدرجة كبيرة على بيانات التضخم الأمريكية المقبلة ومسار الفائدة خلال الأشهر القادمة.