21-Jul-2026 5 دقائق قراءة

يونيكريديت تقترب من السيطرة على كومرتس بنك مع دخول المعركة مرحلة الحسم

تتقدم يونيكريديت نحو السيطرة على كومرتس بنك بعد رفع حصتها إلى 48% في صفقة استحواذ عدائية بقيمة 45 مليار يورو، فيما يزداد الضغط على الأطراف لبحث تسوية أو مواجهة قرار نهائي من المنظمين.

تتجه المعركة الطويلة بين يونيكريديت الإيطالية وكومرتس بنك الألماني إلى مرحلة أكثر حسماً، بعدما كشفت المجموعة الإيطالية أنها باتت تقترب من السيطرة على البنك الألماني في صفقة استحواذ عدائية قيمتها 45 مليار يورو. التطور الأخير يعزز فرضية أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الصفقة ستتم، بل متى وبأي شروط.

وأعلنت يونيكريديت، التي يقودها الرئيس التنفيذي أندريا أورسل منذ 2021، أنها تمتلك الآن 48% من أسهم كومرتس بنك. ويأتي ذلك بعد سلسلة خطوات بدأت باستثمار أولي في سبتمبر 2024، ثم عرض استحواذ منخفض نسبيًا في مايو، ما أطلق مواجهة امتدت قرابة عامين بين أحد أكبر بنكين في إيطاليا وألمانيا.

التحرك الجديد يضع البنك الإيطالي على مسافة قصيرة من عتبة السيطرة الكاملة، في وقت ما زالت فيه المقاومة الألمانية قائمة على مستويات سياسية ومؤسسية عدة. ومع ذلك، يرى محللون أن الزخم الذي بنته يونيكريديت يبدو صعب الإيقاف، خاصة مع تراجع فرص الخصوم في تشكيل جبهة مانعة فعالة.

مقاومة ألمانية مستمرة رغم تقدم يونيكريديت

رد كومرتس بنك على إعلان يونيكريديت لم يكن مطمئنًا بالنسبة للطرف الإيطالي. فقد قال البنك الألماني إن أقل من 2% من مساهمي التجزئة والمؤسسات قبلوا العرض، مشيرًا إلى أن معظم الأسهم المودعة جاءت من جهات مرتبطة بيونيكريديت نفسها، وهو ما اعتبره دلالة على ضعف جاذبية الصفقة في صورتها الحالية.

ورغم ذلك، فإن المعارضة الألمانية لم تمنع الاقتراب التدريجي من نقطة حاسمة. فقد دعا بوريس راين، رئيس ولاية هيسن التي يقع فيها مقر كومرتس بنك، إلى فتح حوار بين المؤسستين، في إشارة إلى أن المسار السياسي قد يتحول من الرفض الصريح إلى البحث عن تسوية تحفظ بعض المصالح المحلية.

وتعكس هذه المعركة تعقيدات الاندماجات المصرفية العابرة للحدود داخل منطقة اليورو. فبالرغم من أن صناع السياسة النقدية الأوروبيين يدفعون منذ سنوات نحو مزيد من الاندماج المصرفي لمنافسة البنوك الأمريكية الأكبر، فإن الواقع التنظيمي والسياسي يظل عقبة رئيسية أمام صفقات من هذا النوع.

خيارات أندريا أورسل تتسع مع اقتراب العتبة التنظيمية

تدور الأنظار الآن حول الخطوة التالية التي قد يتخذها أندريا أورسل. ومن بين الخيارات المطروحة تعديل بعض عقود المبادلة التي تمتلكها يونيكريديت لرفع حصتها إلى 59%، أو شراء أسهم إضافية من السوق بعد اكتمال عملية الموافقة خلال العام المقبل، أو الدخول في مفاوضات مباشرة مع إدارة كومرتس بنك من أجل اتفاق أكثر تنظيمًا.

وتقول الشركتان إنهما منفتحتان على الحوار، لكن البحث عن أرضية مشتركة لم يحقق نتائج حتى الآن. وفي السيناريو الأكثر طموحًا، يمكن ليونيكريديت أن تفرض اندماجًا بحصة تبلغ 75%، غير أن احتفاظ الحكومة الألمانية بحصة 12% يبقي الباب مفتوحًا أمام تعقيدات إضافية تتصل بموقف برلين وبحقوق المساهمين الأقلية.

كما أن تجاوز حاجز 50% لا يحمل فقط دلالة ملكية، بل يتيح ليونيكريديت أيضًا تعيين نصف أعضاء مجلس الإشراف في كومرتس بنك، وهو هدف أشار أورسل إلى إمكانية تحقيقه ضمن هيكل السيطرة الجديد. ويرى خبراء أن ذلك قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى اعتبار يونيكريديت صاحبة سيطرة فعلية حتى قبل امتلاك أغلبية صريحة من الأسهم، ما قد يفرض كلفة رأسمالية أعلى على المجموعة الإيطالية.

الاعتبارات الرأسمالية والرقابية تضيف ضغطًا على الصفقة

يرى محللون أن اقتراب يونيكريديت من السيطرة قد يفرض عليها مراجعة معاييرها المالية. فحسم الصفقة قبل امتلاك أغلبية واضحة قد يرفع متطلبات رأس المال مقارنة بما لو كانت الحصة المسيطرة قد اكتملت منذ البداية. كما أن أي قرار من البنك المركزي الأوروبي بشأن السيطرة الفعلية قد يعيد رسم الاحتياجات المحاسبية والتنظيمية للمجموعة.

وأشارت تقديرات في السوق إلى أن الأرجح هو أن يضطر البنك الإيطالي إلى توحيد حسابات كومرتس بنك في بياناته المالية بعد اكتمال إجراءات العرض والموافقات الرقابية، وهو ما قد يؤدي أيضًا إلى تعديل بعض مخصصات إعادة الشراء التي حُجزت للعام 2025.

لكن مع كل خطوة إضافية، تزداد احتمالات دخول الصفقة في تعقيدات جديدة بدلًا من تسريعها. فالمسألة لا تتعلق فقط بنسبة الملكية، بل بكيفية إدارة الاعتراضات التنظيمية والسياسية، وبتحديد ما إذا كان الطرفان قادرين على تحويل الاستحواذ العدائي إلى تسوية عملية تحفظ الحد الأدنى من التوافق.

التوسع المحلي ليونيكريديت قد يحد من حركتها

التحدي الآخر يتمثل في البيئة التنافسية داخل السوق الإيطالية نفسها. فالبنوك المحلية تشهد موجة من عمليات الدمج والاستحواذ، ما قد يجعل تركيز يونيكريديت على كومرتس بنك مكلفًا من ناحية توزيع رأس المال والفرص الاستراتيجية. وفي حال مضت المجموعة قدمًا بكل قوتها في الصفقة الألمانية، فقد تجد نفسها أقل قدرة على المشاركة في تحركات الاندماج داخل السوق المحلية.

هذا التوازن الدقيق بين التوسع الخارجي والتموضع المحلي يضع إدارة يونيكريديت أمام قرار استراتيجي حساس. فمن جهة، تمثل كومرتس بنك فرصة لتوسيع النفوذ الأوروبي ورفع الوزن التنافسي للمجموعة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإفراط في الالتزام بالصفقة إلى تقليص المرونة المالية في وقت يشهد القطاع المصرفي منافسة متصاعدة على الأصول والحصص السوقية.

كما أن التجربة التاريخية مع استحواذات مصرفية سابقة في ألمانيا توحي بأن المعارضة البيروقراطية قد تستمر حتى بعد السيطرة الفعلية على الأسهم، وهو ما قد يؤخر أي اندماج كامل ويزيد كلفة التنفيذ ويطيل أمد الدمج التشغيلي.

السيناريوهات المقبلة بين التسوية والهيمنة التدريجية

في المحصلة، تبدو يونيكريديت أقرب من أي وقت مضى إلى حسم أحد أكبر النزاعات المصرفية الأوروبية في السنوات الأخيرة. لكن الحسم لا يعني بالضرورة نهاية المشكلات. فإما أن تنجح في الوصول إلى تسوية تفاوضية مع كومرتس بنك أو السلطات الألمانية، وإما أن تتقدم نحو سيطرة متدرجة تفرض واقعًا جديدًا دون اندماج سلس.

ويرى بعض المستثمرين في كومرتس بنك أن السعر المعروض ما زال منخفضًا مقارنة بما قد يكون مقبولًا في نهاية المطاف. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن من الصعب وقف المسار الحالي إذا استمرت يونيكريديت في زيادة حصتها وتجاوزت العقبات التنظيمية المقبلة.

وبين ضغط السوق، ومواقف المساهمين، واعتبارات رأس المال، والاعتراضات السياسية، تتحول الصفقة إلى اختبار واضح لقدرة البنوك الأوروبية الكبرى على تنفيذ اندماجات عابرة للحدود في بيئة تنظيمية معقدة. والنتيجة النهائية، كما يبدو، ستحدد ليس فقط مستقبل كومرتس بنك، بل أيضًا حدود الطموح التوسعي في القطاع المصرفي الأوروبي.