18-Jul-2026 5 دقائق قراءة

مصادر حكومية: خطط يونيكريديت للاستحواذ على كومرتس بنك تصطدم بعقبات تنظيمية في ألمانيا

قالت مصادر حكومية إن أي تحرك من يونيكريديت لتحويل كومرتس بنك إلى كيان خاص يواجه تحديات قانونية وتشغيلية كبيرة ما دامت برلين تحتفظ بحصتها، فيما تواصل الحكومة الألمانية التركيز على حماية الموظفين والشركات المتوسطة ومكانة فرانكفورت المالية.

عقبات قانونية تعرقل صفقة يونيكريديت

تواجه خطط «يونيكريديت» المتعلقة بـ«كومرتس بنك» عراقيل قانونية وتنظيمية واضحة، وفقاً لمصادر حكومية ألمانية، التي ترى أن أي محاولة لتحويل البنك الألماني إلى شركة خاصة بالكامل لا تبدو قابلة للتنفيذ في ظل البنية الحالية للملكية، ولا سيما مع احتفاظ الحكومة الألمانية بحصة مؤثرة فيه.

وتشير هذه المصادر إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بارتفاع سقف الطموح الاستثماري للبنك الإيطالي، بل بوجود قيود قانونية تجعل شطب الأسهم من البورصة أو دفع المساهمين إلى الخروج أمراً بالغ التعقيد. كما لفتت إلى أن موقف برلين يظل مشدداً تجاه أي تغيير في السيطرة لا يراعي التوازنات المرتبطة بالاستقرار المالي وحماية المصالح الوطنية.

وبحسب المصادر، فإن الموقف الرسمي الألماني يعتبر أن الخطط المطروحة حالياً من جانب إدارة «يونيكريديت» غير قابلة للتطبيق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالالتزامات المرتبطة بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي شريحة تعد محوراً رئيسياً في الاقتصاد الألماني.

الحد الأدنى للسيطرة يحدد مسار الاستحواذ

توضح المعطيات القانونية أن فرض خروج المساهمين من الشركة لا يمكن تنفيذه في ألمانيا إلا بعد بلوغ مستوى سيطرة لا يقل عن 90 في المائة من الأسهم. وعند هذه العتبة فقط يصبح من الممكن تفعيل آلية الاستحواذ الإجباري مقابل تعويض إلزامي، وهو ما يمنح المالك الجديد مساحة أكبر لإعادة هيكلة الشركة أو إدارة أصولها.

أما إذا لم يصل المستثمر إلى هذه النسبة، فإن قدرة الاستحواذ على فرض تغييرات جذرية تبقى محدودة. وفي هذه الحالة يمكن للبنك المقتني، نظرياً، أن يطلب شطب الشركة من البورصة بقرار من مجلس الإدارة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التخلص من المساهمين الأقلية، إذ قد يحتفظون بحصصهم من دون قدرة على التداول في السوق.

هذا التفصيل القانوني يفسر جانباً من تعقيد المعركة الدائرة بين المؤسستين، إذ لم تعد المسألة مجرد صفقة اندماج أو شراء أسهم إضافية، بل صراعاً حول البنية المؤسسية وحدود النفوذ داخل واحد من أبرز البنوك الألمانية.

تصعيد في عرض الاستحواذ وتصلب في المواقف

جاءت هذه التطورات بعد أن أعلن «يونيكريديت» رفع حجم الأسهم المعروضة ضمن عرض الاستحواذ على «كومرتس بنك»، في خطوة عُدّت محاولة لتعزيز فرص التقدم في الصفقة. وفي المقابل، كرر البنك الألماني دعوته للمستثمرين إلى رفض العرض، بما أبقى حالة التجاذب قائمة وعمّق الخلاف بين الطرفين.

ويمتد هذا النزاع منذ أشهر، وسط مفاوضات غير مباشرة ومعركة رسائل بين الجانبين بشأن مستقبل البنك الألماني. فبينما يسعى «يونيكريديت» إلى توسيع حضوره في السوق الأوروبية عبر الاستحواذ، يتمسك «كومرتس بنك» بدعم المساهمين والمؤسسات الرسمية الرافضة لأي تسوية تُبنى على ضغط أو اندفاع غير محسوب.

ويعكس هذا المشهد اتساع الفجوة بين منطق التوسع المصرفي عبر الصفقات الكبرى، ومنطق الدولة التي تضع قيوداً مشددة على التحكم في مؤسسة مالية ترتبط بملفات حساسة، سواء على مستوى العمالة أو تمويل الشركات أو التوازنات الجغرافية للقطاع المالي الألماني.

برلين تركز على العمالة والقطاع المتوسط

تؤكد المصادر أن الحكومة الألمانية ستواصل إعطاء الأولوية لحماية موظفي «كومرتس بنك» وللمصالح المرتبطة بالشركات المتوسطة، إلى جانب الحفاظ على موقع فرانكفورت باعتبارها مركزاً مالياً رئيسياً. وترى برلين أن أي تحول في ملكية البنك يجب ألا يتم على حساب الاستقرار الوظيفي أو دور البنك في الاقتصاد الحقيقي.

كما شددت الحكومة على التزامها بمسار الاتحاد المصرفي الأوروبي، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن هذا الالتزام لا يعني القبول بعمليات استحواذ بلا ضوابط أو بأساليب عدوانية. وفي هذا السياق، نقلت المصادر عن مسؤولين ألمان رفضهم الواضح لما وصفوه بالأساليب الهجومية في الصفقات المصرفية.

هذا الموقف يعكس توازناً دقيقاً بين الانفتاح على التكامل الأوروبي من جهة، والحفاظ على السيادة التنظيمية والاقتصادية من جهة أخرى. وتبدو برلين حريصة على ألا تتحول قضية «كومرتس بنك» إلى سابقة تسمح بفرض ترتيبات ملكية لا تتفق مع أولوياتها الاقتصادية.

رسائل تتجاوز صفقة واحدة

أصبحت قضية «يونيكريديت» و«كومرتس بنك» نموذجاً أوسع للنقاش حول حدود الاندماج المصرفي في أوروبا، خصوصاً عندما تتداخل المصالح الخاصة مع الحساسيات السياسية والاقتصادية. فالمؤسسات المالية الكبرى قد ترى في التوسع عبر الاستحواذ فرصة لتعزيز الكفاءة والحجم، لكن الحكومات غالباً ما تنظر أيضاً إلى تأثير ذلك على العمالة، والائتمان المحلي، والسيطرة على القرار المالي.

وتكشف هذه القضية أن نجاح أي صفقة مصرفية عابرة للحدود لا يعتمد فقط على حجم الأسهم أو السعر المعروض، بل على القدرة على التكيف مع الإطار القانوني والاقتصادي للدولة المستهدفة. وفي الحالة الألمانية، يبدو أن هذا الإطار لا يزال يمنح الدولة وأطرافاً أخرى قدرة مؤثرة على تعطيل أي مسار لا يحظى بقبول واسع.

وبينما تواصل «يونيكريديت» محاولة توسيع عرضها، تبدو الطريق إلى السيطرة الكاملة على «كومرتس بنك» مليئة بالعقبات، ما يجعل مستقبل الصفقة مفتوحاً على مزيد من المفاوضات أو التصعيد أو حتى إعادة الحسابات من الأساس.