21-Jul-2026 6 دقائق قراءة

تفاقم التعثر في القروض الاستهلاكية يضغط على خطط بكين لتحفيز الإنفاق

تواجه الصين موجة متصاعدة من حالات التخلف عن سداد القروض الاستهلاكية، في وقت تحاول فيه بكين دفع الأسر إلى الاقتراض والإنفاق لدعم التعافي الاقتصادي، وسط ضعف الدخل وتراجع سوق العقارات وتشدد البنوك في إدارة المخاطر.

موجة تعثر تعكس هشاشة الطلب

تتزايد في الصين حالات التخلف عن سداد القروض الاستهلاكية، في مؤشر على أن استراتيجية تعزيز الطلب المحلي تواجه عقبة أكبر من مجرد نقص السيولة. فبينما تدفع السلطات البنوك إلى توسيع الإقراض وتحفيز الأسر على الإنفاق، تعيش شريحة واسعة من المقترضين تحت ضغط ضعف الأجور وتراجع فرص العمل واستمرار الركود في سوق العقارات.

هذه المعادلة وضعت المستهلك الصيني في دائرة مفرغة: احتياجات يومية أعلى، ودخول لا تنمو بالسرعة نفسها، وديون سابقة تتراكم مع تراجع القدرة على السداد. ومع اتساع هذه الدائرة، لم تعد المشكلة محصورة في الأفراد، بل بدأت تؤثر في ميزانيات البنوك وفي رهانات بكين على إنعاش الاقتصاد من بوابة الاستهلاك.

ضغط مالي على الأسر محدودة الدخل

تظهر قصة عامل صيانة اتصالات يبلغ 27 عاماً كيف يمكن أن يتحول الاقتراض من أداة لتغطية النفقات إلى عبء طويل الأمد. فبعد أن بدأ الاقتراض خلال فترة التدريب المهني، وجد نفسه لاحقاً أمام ديون تقترب من 140 ألف يوان، موزعة بين بطاقات ائتمان وقروض عبر الإنترنت وتمويل سيارة، في حين جرى خفض راتبه وإلغاء بعض البدلات.

ورغم محاولته تقليص الإنفاق إلى الضروريات فقط، فإن حجم الدين ظل يرتفع بفعل الفوائد وتعدد الالتزامات الشهرية. مثل هذه الحالات لم تعد استثناءً، بل باتت تعكس اتجاهاً أوسع في السوق الصينية، حيث ترتفع الضغوط على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط بالتحديد.

ويشير محللون إلى أن الأسر الأكثر هشاشة هي الأعرض للخطر، لأن جزءاً كبيراً من هذه الفئة يعتمد على الأجور الشهرية وحدها، من دون أصول يمكن استخدامها كضمان أو بيعها بسرعة عند التعثر.

البنوك تتشدد مع ارتفاع المخاطر

على الرغم من الدعوات الرسمية إلى زيادة الإقراض، فإن البنوك التجارية الصينية أصبحت أكثر حذراً. فالمؤسسات المالية لا ترغب في توسيع محافظ الإقراض الاستهلاكي بسرعة قد تُفاقم الديون المتعثرة، خصوصاً في ظل ضعف القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التعثر بين المقترضين ذوي التصنيفات الائتمانية المنخفضة.

وتقول تقديرات مصرفية إن البنوك عدلت بالفعل نماذج تقييم المخاطر هذا العام، بحيث بات دخل الراتب يحظى بوزن أكبر عند دراسة الطلبات، بعد أن كانت بعض أنظمة التقييم تميل إلى منح أهمية أكبر لملكية العقارات والأصول الثابتة. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاعتماد على الضمانات العقارية لم يعد كافياً في سوق يمر بمرحلة انكماش ممتدة.

وفي الوقت نفسه، تلجأ بعض البنوك إلى حلول عملية لتأجيل تصنيف القروض كمتعثرة فوراً، مثل إعادة جدولة الديون أو تمديد آجال السداد أو منح المقترضين وقتاً لبيع أصولهم. هذه الممارسات تساعد على تخفيف الضغط المحاسبي الآني، لكنها لا تلغي المشكلة الأساسية المرتبطة بضعف الدخل الحقيقي للأسر.

أرقام تكشف اتساع الأزمة

بيانات السوق تعكس حجم التحدي بوضوح. فقد ارتفع رصيد القروض المتعثرة الممنوحة للأسر بأكثر من 20 في المائة خلال العام الماضي، ليصل إلى مستوى غير مسبوق بلغ 2.22 تريليون يوان. وبحسب تقديرات بحثية، فإن هذا الرقم يعادل نحو 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني.

كما أظهرت بيانات حديثة تراجع القروض الأسرية قصيرة الأجل بنسبة 7 في المائة على أساس سنوي في أحد الأشهر الأخيرة، ما يشير إلى أن الطلب على الاقتراض نفسه بدأ يفقد زخمه. وفي بيئة كهذه، يصبح توسيع الإقراض هدفاً أصعب، لأن البنوك تكتشف أن كثيراً من المتقدمين الجدد هم في الأصل من الفئات الأعلى خطراً.

وتشير تقارير مصرفية إلى أن نسب التعثر المعلنة قد لا تعكس الصورة الكاملة، إذ يعتقد محللون أن الحجم الفعلي للقروض المتعثرة أعلى من الأرقام الرسمية التي تكشفها البنوك.

تحفيز الاستهلاك يصطدم بضعف الدخل

تسعى بكين منذ سنوات إلى تحويل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على الاستثمار والصادرات إلى نموذج أكثر توازناً يقوده الاستهلاك الداخلي. ولهذا الغرض، شجعت الأسر على الاقتراض والإنفاق، ورفعت في وقت سابق سقف الدعم لكل مقترض إلى 3000 يوان، مع توسيع أهلية الدعم لتشمل خطط التقسيط عبر بطاقات الائتمان.

لكن هذه السياسة تصطدم بعقبة أساسية: المستهلك لا ينفق بثقة حين يكون دخله غير مضمون. فالمشكلة، وفق عدد من الاقتصاديين، لا تكمن في الوصول إلى القروض فقط، بل في محدودية نمو الأجور وضعف شبكة الأمان الاجتماعي، وهو ما يدفع الأسر إلى الادخار الاحترازي بدلاً من زيادة الاستهلاك.

وفي ظل هذا الواقع، قد يؤدي تقديم قروض أرخص للأسر التي لا تتحسن دخولها إلى نتائج عكسية، عبر رفع مستويات التعثر بدلاً من تحريك الطلب الحقيقي في الاقتصاد.

تأثير مباشر في البنوك والأسواق

البنوك التي تملك نسباً كبيرة من القروض الاستهلاكية غير المضمونة تبدو الأكثر تعرضاً للمخاطر مع استمرار ارتفاع التخلف عن السداد. وقد سجّلت بعض البنوك الكبرى في الصين زيادة في نسب القروض الشخصية المتعثرة خلال العام الماضي، كما ارتفعت مؤشرات التعثر في بطاقات الائتمان لدى عدد من المقرضين الرئيسيين.

وبالنسبة إلى القطاع المالي، فإن ارتفاع الديون المتعثرة لا يقتصر على تأثيره في الأرباح، بل يمتد إلى الشهية الائتمانية نفسها. فكلما زادت الديون الرديئة، أصبح المقرضون أكثر تحفظاً، وهو ما يخلق حلقة تباطؤ إضافية في وقت تحتاج فيه بكين إلى توسع منظم في الائتمان لا إلى انكماشه.

كما أن استمرار التردد المصرفي قد يحد من فعالية أي حزم تحفيز جديدة تعتمد على الاقتراض الاستهلاكي، خصوصاً إذا بقيت الشروط الصارمة تحصر التمويل في شريحة ضيقة من العملاء الأكثر أماناً.

الاختبار الحقيقي لسياسة الطلب المحلي

المشهد الحالي يضع صانعي السياسات أمام اختبار صعب. فمن جهة، تحتاج الصين إلى رفع الاستهلاك الداخلي لتعويض ضعف القطاعات التقليدية الداعمة للنمو. ومن جهة أخرى، فإن التوسع في القروض من دون تحسن حقيقي في الدخول قد يزيد هشاشة الأسر ويعمق مشكلة التعثر الائتماني.

هذا التناقض يعني أن الحلول قصيرة الأجل قد لا تكون كافية. فتنشيط الطلب المحلي يحتاج إلى تحسن ملموس في الأجور، وتوزيع أكثر توازناً للدخل، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب إصلاحات أوسع في سوق العمل والعقار والائتمان. ومن دون ذلك، سيظل الإقراض الاستهلاكي أداة محدودة الفعالية، وقد يتحول في بعض الحالات إلى مصدر إضافي للمخاطر المالية.

وبين حاجة الاقتصاد إلى الإنفاق، وحاجة الأسر إلى الحذر، تبدو الصين أمام مرحلة دقيقة ستحدد ما إذا كان الائتمان الاستهلاكي سيصبح محركاً للنمو أم سبباً جديداً للضغط على النظام المالي.