تراجع لافت في ملف القيود التجارية
أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة امتنعت عن المضي في إدراج شركة «ديب سيك» الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أكثر من 100 شركة أخرى، على قائمة تجارية سوداء كانت ستقيّد وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية. ويأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه حساسية العلاقة بين واشنطن وبكين، وسط محاولة من الإدارة الأميركية لتفادي خطوة قد تزيد التوتر مع الصين.
ووفقاً لمصادر مطلعة، كانت جهات حكومية أميركية قد وافقت في وقت سابق على بحث إدراج عدد من الشركات، من بينها «ديب سيك» وشركة «سي إكس إم تي» المتخصصة في صناعة رقائق الذاكرة، ضمن قائمة الكيانات التابعة لوزارة التجارة. غير أن القرار النهائي لم يُنفذ حتى الآن، ما يعكس تردداً واضحاً في استخدام أداة يُفترض أنها تُعد من أهم أدوات الأمن القومي والتصدير لدى واشنطن.
وتحظر القائمة على الشركات الأميركية شحن السلع والبرمجيات والتقنيات إلى الجهات المدرجة من دون ترخيص، وهو ترخيص غالباً ما يكون مآله الرفض، ما يجعل الإدراج بمثابة إجراء شديد التأثير على الشركات المستهدفة وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
«ديب سيك» في قلب الجدل الأمني
حازت «ديب سيك» اهتماماً واسعاً في أسواق التكنولوجيا خلال العام الماضي بعدما قدمت نموذجاً منخفض التكلفة أثار ردود فعل قوية داخل قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي. لكن الشركة أصبحت أيضاً محور اتهامات أميركية متصاعدة، إذ تحدث مسؤولون في واشنطن عن استخدامها، وفق روايتهم، لدعم أنشطة مرتبطة بالمجالين العسكري والاستخباراتي في الصين.
كما ظهرت تقارير أخرى عن محاولات لاستخدام شركات وسيطة في جنوب شرق آسيا للحصول على رقائق أميركية متقدمة بصورة غير قانونية. وفي سياق منفصل، قالت شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» إنهما رصدتا تحركات تستهدف نماذجهما أو تستفيد من قدراتهما بطريقة غير مشروعة، في إشارة إلى أن المنافسة بين المختبرات الأميركية والصينية تتجاوز حدود السوق إلى ملفات تتعلق بالملكية الفكرية والأمن الرقمي.
وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن قيمة الشركة ارتفعت إلى ما يزيد على 50 مليار دولار في أولى جولات التمويل، ما يجعلها واحدة من أبرز الشركات الصينية الناشئة في قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم الجدل السياسي والتنظيمي المحيط بها.
أزمة أوسع في سياسة التصدير الأميركية
لا يقتصر التراجع عن إدراج الشركات الصينية على اسم واحد أو قطاع بعينه، بل يرتبط أيضاً بمراجعة أوسع داخل وزارة التجارة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة. وتشير المعطيات إلى أن مكتب الصناعة والأمن، وهو الجهة المسؤولة عن تطبيق القائمة، لم يضف كيانات جديدة منذ أكتوبر الماضي، وهي أطول فترة توقف من نوعها منذ أكثر من عقد.
ويرى محللون ومسؤولون سابقون أن هذا الجمود قد يترك الباب مفتوحاً أمام تدفق تقنيات أميركية حساسة إلى جهات يُحتمل استخدامها ضد المصالح الأميركية. كما يشيرون إلى أن التردد في تفعيل القيود قد يعكس تأثير الحسابات التجارية والدبلوماسية على حساب الاعتبارات الأمنية التقليدية.
ومن بين الملفات التي لم تُحسم بعد، اللائحة الجديدة الخاصة بتنظيم الوصول العالمي إلى رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية. فقد كان المكتب قد أعلن سابقاً عزمه استبدال إطار تنظيمي سابق، لكنه لم ينشر البديل حتى الآن، ما خلق ثغرة تنظيمية قد تسمح بوصول بعض الشرائح المتقدمة إلى شركات صينية خارج الصين.
الصين ترد باتهام واشنطن بتسييس الاقتصاد
في المقابل، رفضت بكين الاتهامات الأميركية واعتبرت أن واشنطن تستخدم أدوات التجارة والتكنولوجيا لأهداف سياسية. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن الولايات المتحدة تبالغ في توسيع مفهوم الأمن القومي، وتوظف ضوابط التصدير، بما في ذلك قائمة الكيانات، لاحتواء الشركات الصينية وإضعافها.
ويعكس هذا السجال اتساع دائرة التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم، حيث تستخدم واشنطن الرسوم الجمركية وضوابط التصدير للحد من قدرات بكين التقنية، بينما تحتفظ الصين بأوراق ضغط مهمة في مجالات مثل المعادن الأرضية النادرة، الضرورية لصناعة الرقائق والسيارات والدفاع.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن أي قرار بإدراج شركة تكنولوجية كبرى على القائمة لا يُعد مجرد خطوة إدارية، بل جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بتوازن القوة في سلاسل الإمداد والابتكار العالمي.
الشركات الأقل شهرة جزء من المعركة الأوسع
تشير المصادر إلى أن عدداً من الشركات الصينية الأقل شهرة كان ضمن المرشحين للإدراج، لا سيما تلك المرتبطة بتوريد مكونات أو معدات أو أنظمة تُستخدم في أنشطة عسكرية أو تقنية حساسة. ومن بين الأمثلة التي طرحت في المداولات شركات يُعتقد أنها زودت روسيا بطائرات مسيّرة، إضافة إلى شركات بيعت لها شرائح «إنفيديا» المقيدة إلى جهات أكاديمية صينية.
كما جرى، بحسب التقارير، النظر في شركات تصنع وتبيع طائرات مسيّرة وكلاباً آلية مرتبطة بالاستخدامات العسكرية، ما يشير إلى أن نطاق المراجعة الأميركية يتجاوز الشركات الكبرى المعروفة إلى شبكة أوسع من الموردين والمصنعين والوسطاء.
ويقول مراقبون إن هذه المقاربة تعكس إدراكاً متزايداً داخل واشنطن بأن حماية التفوق التكنولوجي لا تتعلق فقط بالعلامات التجارية الكبرى، بل أيضاً بالشركات الصغيرة والمتوسطة التي تغذي البنية الصناعية والبحثية في الصين.
دلالات اقتصادية واستثمارية
يحمل التراجع الأميركي دلالات تتجاوز السياسة إلى الأسواق والاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي. فشركة بحجم «ديب سيك» أصبحت طرفاً مؤثراً في سباق تقييمات الشركات الناشئة، في وقت ترتفع فيه كلفة بناء النماذج وتدريبها وتشغيلها إلى مستويات مليارية، ما يجعل التمويل الخاص عاملاً حاسماً في المنافسة.
وبينما تواصل الشركات الأميركية الكبرى مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» جذب جولات تمويل ضخمة، تسعى الشركات الصينية إلى تثبيت مواقعها في سوق عالمي شديد التنافسية، رغم القيود على الرقائق والبرمجيات والوصول إلى الحوسبة المتقدمة. وفي هذه البيئة، يصبح أي قرار تنظيمي أميركي مؤثراً في تدفقات الاستثمار والتوريد والتوسع الدولي.
ويُظهر ملف «ديب سيك» أن الاقتصاد الرقمي بات جزءاً مباشراً من أدوات السياسة الخارجية والأمن القومي، وأن الحدود الفاصلة بين الابتكار التجاري والاعتبارات الجيوسياسية أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى.