واصلت الإمارات تعزيز مكانتها كإحدى أبرز الوجهات العالمية لرأس المال الأجنبي، بعدما سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نمواً سنوياً بنسبة 6%، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة للعام الرابع على التوالي. وبهذه النتائج، جاءت الدولة في المرتبة التاسعة عالمياً بين أكبر مستقبلي الاستثمار الأجنبي المباشر، ما يعكس اتساع قاعدة الثقة في اقتصادها وقدرته على جذب الشركات الدولية.
وتأتي هذه الأرقام في سياق اقتصادي أوسع يشير إلى قدرة الإمارات على تحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التنظيمية إلى عناصر جذب حقيقية للمستثمرين. فالدولة لم تعد تكتفي بدور مركز إقليمي للتجارة والخدمات، بل رسخت موقعها كمنصة أعمال دولية تجمع بين الاستقرار، والمرونة التشريعية، وتوفر البنية التحتية اللازمة لنمو الشركات في قطاعات متعددة.
رصيد استثماري يتجاوز التريليون درهم
أظهرت البيانات الحديثة أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات ارتفع إلى 1.17 تريليون درهم، وهو مستوى يعكس تراكم تدفقات الاستثمار عبر سنوات من التوسع في القطاعات الإنتاجية والخدمية والتقنية. ويعد هذا الرصيد مؤشراً مهماً على عمق الحضور الاستثماري العالمي داخل الدولة، وليس فقط على حجم التدفقات السنوية.
كما حافظت الإمارات للعام الثالث على التوالي على المركز الثاني عالمياً في عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر التأسيسية، بإجمالي 1,562 مشروعاً. ويعني ذلك أن الدولة لا تجذب رؤوس الأموال فحسب، بل تستقطب أيضاً قرارات تأسيس جديدة من الشركات الدولية التي تختار إنشاء عمليات مباشرة داخل السوق الإماراتية.
ويشير هذا الأداء إلى أن الإمارات باتت تستفيد من قدرتها على الجمع بين بيئة أعمال تنافسية وتخطيط اقتصادي طويل الأمد، وهو ما يمنح المستثمرين رؤية أوضح عند اتخاذ قرارات التوسع أو الدخول إلى أسواق جديدة.
أهداف 2031 ترفع سقف الطموح
يرتبط هذا الزخم بالاستراتيجية الوطنية للاستثمار 2031، التي تستهدف رفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 2.2 تريليون درهم، إلى جانب استقطاب تدفقات سنوية بقيمة 240 مليار درهم. وهذه الأهداف تعكس انتقال السياسة الاستثمارية في الإمارات من مرحلة جذب التدفقات إلى مرحلة مضاعفة أثرها في النمو، والتوظيف، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى مجموعة من الركائز، من بينها تطوير الأطر التنظيمية، وتوسيع الشراكات الدولية، وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية المرتبطة بالأعمال، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية التي تخدم الشركات التقليدية والقطاعات الجديدة على حد سواء.
كما أن وضوح الأهداف طويلة المدى يمنح الأسواق إشارة إضافية على أن الإمارات تنظر إلى الاستثمار الأجنبي كأداة مركزية في تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته، وليس كمصدر تمويل عابر مرتبط بدورات اقتصادية قصيرة.
نمو متراكم خلال خمس سنوات
بحسب التقديرات الواردة في التقرير الأحدث للاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات لعام 2026، سجلت التدفقات نمواً سنوياً مركباً بلغ 24% بين عامي 2021 و2025. ويعكس هذا المعدل قوة الاتجاه الصاعد في تدفق الأموال إلى الدولة، خصوصاً في ظل التغيرات العالمية التي دفعت كثيراً من الشركات إلى إعادة توزيع استثماراتها والبحث عن بيئات أكثر استقراراً ووضوحاً.
ويُظهر هذا المسار أن الإمارات استطاعت الحفاظ على جاذبيتها في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الاقتصادات العالمية والإقليمية على استقطاب الاستثمارات النوعية. كما أن استمرارية النمو على مدى سنوات تعني أن السوق الإماراتية لا تعتمد على موجات مؤقتة، بل على مقومات مؤسسية وبنيوية متماسكة.
ومن بين أبرز هذه المقومات وجود منظومة تشريعية قابلة للتطور، وشبكة علاقات اقتصادية دولية واسعة، فضلاً عن توفر مناطق أعمال ومراكز مالية وموانئ ومطارات وخدمات لوجستية تدعم توسع الشركات العابرة للحدود.
القطاعات الأكثر جذباً
أظهر توزيع الاستثمارات الأجنبية الجديدة تنوعاً واضحاً بين القطاعات، مع تصدر قطاع التصنيع بنسبة 30% من الإجمالي. ويعكس ذلك اهتمام الشركات بالاستفادة من القاعدة الصناعية المتنامية في الإمارات، وما توفره من مزايا مرتبطة بالإنتاج وسلاسل الإمداد والوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وجاء قطاع الاتصالات في المرتبة التالية بنسبة 29%، مدعوماً بمشاريع البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي. ويؤكد هذا التطور أن الإمارات أصبحت تتقدم أيضاً باعتبارها سوقاً جاذبة للاستثمارات المرتبطة بالتحول الرقمي، وليس فقط بالأنشطة التقليدية مثل التجارة والعقار والخدمات اللوجستية.
أما القطاع العقاري فاستحوذ على 7% من الاستثمارات، وهو ما يشير إلى استمرار جاذبية السوق العقارية الإماراتية للمستثمرين الدوليين، خاصة في ظل الزخم الذي تشهده المدن الرئيسية والطلب على الأصول المرتبطة بالاستخدامات السكنية والتجارية والفندقية.
التوظيف والتأثير الاقتصادي الأوسع
لم يقتصر أثر الاستثمارات الجديدة على ضخ رؤوس الأموال، بل امتد إلى سوق العمل أيضاً. فقد أسهمت مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر التأسيسية خلال 2025 في توفير أكثر من 65 ألف فرصة عمل في قطاعات حيوية، وهو ما يمنح هذه التدفقات بعداً تنموياً مباشراً يتجاوز المؤشرات المالية التقليدية.
ويبرز هذا الرقم أهمية الاستثمار الأجنبي في دعم التوظيف ونقل الخبرات وتوسيع قاعدة الاقتصاد المعرفي. فكل مشروع جديد لا يضيف فقط رأس مال إلى السوق، بل يخلق طلباً على المهارات المحلية، ويسهم في رفع مستويات الإنتاجية، ويدعم سلاسل القيمة المرتبطة بالتصنيع والخدمات الرقمية واللوجستية.
كما تساعد هذه المشاريع على تعزيز التنوع الاقتصادي، وهو أحد الأهداف الرئيسية لسياسات الإمارات خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة.
ثقة المستثمرين وموقع الإمارات الإقليمي
يرى التقرير أن الأداء الاستثماري القوي للدولة يرتكز على ثقة المستثمرين العالميين في بيئتها الاقتصادية، وعلى سياساتها طويلة المدى، وبنيتها التحتية المتطورة، وقدرتها على توفير بيئة أعمال مرنة وجاذبة. وهذه العوامل مجتمعة تفسر لماذا تواصل الإمارات تحسين موقعها بين الاقتصادات الأكثر قدرة على استقطاب الشركات الدولية.
كما أن مكانة الدولة كحلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية تمنحها ميزة تنافسية إضافية، خاصة للشركات التي تبحث عن نقطة انطلاق لعمليات إقليمية أو إمدادات عالمية أو خدمات رقمية عابرة للحدود.
وفي ظل استمرار التركيز على الابتكار، وتوسيع المنصات الرقمية، وتحسين تنافسية البيئة الاستثمارية، تبدو الإمارات في موقع يسمح لها بالحفاظ على هذا الزخم خلال السنوات المقبلة، مع احتمالات أكبر لتعميق حضورها ضمن أكبر مراكز الاستثمار عالمياً.
ملاحظة: سعر الصرف الوارد في البيانات المرجعية هو 1 دولار أمريكي = 3.67 درهم إماراتي.