دفعة قوية من قطاع الطاقة
تتجه الشركات الأوروبية الكبرى إلى تسجيل أفضل نمو في أرباحها منذ أكثر من ثلاث سنوات، في ظل الارتفاع الحاد في نتائج شركات الطاقة التي أصبحت المحرك الأبرز لموسم الإفصاح المالي الحالي. وتشير تقديرات صادرة عن مجموعة بورصة لندن، استناداً إلى بيانات إل إس إي جي، إلى أن الشركات المدرجة في مؤشر ستوكس 600 قد تحقق نمواً في الأرباح بنحو 16.7 في المائة خلال الربع الثاني.
ويعكس هذا الرقم تأثيراً واسعاً لقطاع الطاقة على الصورة الإجمالية، إذ ينخفض معدل النمو المتوقع إلى 6.4 في المائة فقط عند استبعاد هذا القطاع. ويؤكد ذلك أن نتائج شركات النفط والغاز لا ترفع أرباحها الفردية فحسب، بل تمنح المؤشر الأوروبي القياسي دفعة جماعية في وقت لا تزال فيه البيئة الاقتصادية العالمية تتسم بعدم اليقين.
وبحسب التوقعات نفسها، قد تسجل كبرى شركات الطاقة الأوروبية زيادة في الأرباح تتجاوز 125 في المائة على أساس سنوي، مستفيدة من موجة صعود أسعار النفط والغاز التي أعقبت اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما دعم هوامش الربح وأعاد الزخم إلى أسهم القطاع.
الإيرادات تتحسن وتوقعات السوق ترتفع
إلى جانب الأرباح، يتوقع محللو السوق أن ترتفع إيرادات الشركات الأوروبية بنسبة 11.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 10.5 في المائة فقط قبل أسبوع. ويشير هذا التعديل التصاعدي إلى تحسن نسبي في النظرة إلى أعمال الشركات، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف التمويل والتباطؤ في بعض الأسواق الرئيسية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تأتي مع انطلاق موسم إعلان النتائج، وهو عادة أحد أكثر الفترات تأثيراً في الأسواق المالية الأوروبية. فالمستثمرون لا يراقبون فقط مستويات الأرباح الحالية، بل يحاولون أيضاً قراءة اتجاهات الطلب والإنفاق الرأسمالي والهوامش التشغيلية من خلال تصريحات الشركات وتوجيهاتها المستقبلية.
وفي هذا السياق، يمثل ارتفاع الإيرادات إشارة على أن قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي لا تزال قادرة على توليد نمو اسمي قوي، حتى لو كان جزء كبير من هذا النمو مرتبطاً بعوامل سعرية أكثر من كونه انعكاساً لتوسع حقيقي في الكميات المباعة.
إيه إس إم إل تعزز المعنويات في السوق
تلقى مزاج المستثمرين دعماً إضافياً من النتائج الإيجابية لشركة إيه إس إم إل الهولندية، أكبر شركة أوروبية من حيث القيمة السوقية، والتي أعلنت عن أرباح فاقت التوقعات ورفعت توقعاتها لمبيعات عام 2026. وتأتي أهمية هذه الشركة من موقعها المركزي في سلسلة توريد صناعة الرقائق العالمية، ما يجعل أداءها مؤشراً مهماً على الطلب في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
وقد ساعد هذا الأداء على تحسين المعنويات في الأسواق الأوروبية، خصوصاً بعد فترة من التذبذب نتيجة مخاوف النمو العالمي وتغير توقعات السياسة النقدية. كما أن قوة شركة بهذا الحجم والوزن الاستثماري تعطي انطباعاً بأن بعض القطاعات الصناعية والتكنولوجية ما زالت تحافظ على قدرتها التنافسية رغم الضغوط الدورية.
وينظر المستثمرون عادة إلى نتائج الشركات الرائدة، مثل إيه إس إم إل، باعتبارها اختبارات مبكرة لاتجاهات أوسع قد تمتد إلى الشركات الصناعية وبرمجيات المؤسسات وموردي المعدات، وهو ما يفسر الحساسية العالية تجاه أي تعديل في التوجيهات المستقبلية.
أسبوع مزدحم بنتائج 52 شركة
خلال الأسبوع الذي يبدأ في 20 يوليو، من المنتظر أن تكشف 52 شركة عن نتائجها الفصلية، في واحدة من أكثر الأسابيع ازدحاماً في موسم الأرباح الأوروبي. وتشمل القائمة شركات من قطاعات متنوعة، من بينها شركة الأدوية السويسرية نوفارتس، وبنك يونيكريديت الإيطالي، ومجموعة البرمجيات الألمانية إس إيه بي، وشركة فولكس فاغن.
هذا التنوع يجعل المتابعة أكثر أهمية، لأن النتائج المقبلة قد تقدم صورة أوضح عن حالة الطلب في الاقتصاد الأوروبي بين القطاعات الدفاعية والدورية. فالأدوية والبنوك والتكنولوجيا والسيارات تمثل مجتمعة مقياساً واسعاً لمدى صمود المستهلكين والشركات أمام التباطؤ والضغوط التضخمية وتكاليف الاقتراض.
كما أن أي إشارات متفائلة من الشركات الكبرى يمكن أن تدعم أسواق الأسهم الأوروبية، بينما قد تدفع التحذيرات المتعلقة بالطلب أو الهوامش المستثمرين إلى إعادة تسعير التوقعات للفصلين القادمين.
ما الذي يراقبه المستثمرون حالياً؟
يركز المستثمرون في المرحلة الحالية على ثلاثة عناصر رئيسية: أولاً، قدرة الشركات على ترجمة ارتفاع الأسعار إلى أرباح فعلية؛ ثانياً، ما إذا كانت القطاعات غير المرتبطة بالطاقة قادرة على تعويض جزء من الفجوة؛ وثالثاً، مدى استمرار ضغوط التكلفة على الشركات الصناعية والخدمية.
فعندما يأتي جزء كبير من تحسن الأرباح من قطاعات محددة، يصبح السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التحسن مستداماً أم أنه مرتبط بعوامل استثنائية قد تتبدد لاحقاً. ولهذا السبب، تمنح الأسواق اهتماماً متزايداً بالتوجيهات المستقبلية أكثر من النتائج الماضية وحدها.
وتساعد نتائج الشركات الكبرى أيضاً في تقييم تأثير السياسة النقدية والظروف الجيوسياسية على القطاع الخاص. فارتفاع أسعار الطاقة قد يدعم أرباح المنتجين، لكنه قد يضغط على المستهلكين والشركات الأخرى عبر تكاليف التشغيل والنقل، ما يخلق صورة متباينة داخل السوق الأوروبية.
قراءة أوسع لأداء الشركات الأوروبية
توضح التقديرات الحالية أن الشركات الأوروبية تدخل النصف الثاني من العام بزخم أفضل مما توقعه كثير من المحللين في وقت سابق. غير أن هذا الزخم لا يبدو موزعاً بالتساوي، إذ يستفيد قطاع الطاقة بصورة واضحة، فيما تعتمد قطاعات أخرى على تحسن الطلب العالمي واستقرار سلاسل الإمداد واستمرار شهية المستهلكين.
ومن المرجح أن تحدد نتائج الأسبوع المقبل مدى اتساع قاعدة النمو في الأرباح، وهل هو نمو تقوده أسعار السلع والطاقة فقط، أم أن الشركات الأوروبية بدأت بالفعل تستعيد قدرة أوسع على تحقيق توسع مستدام في الإيرادات والأرباح.
وفي كل الأحوال، يبقى موسم النتائج الحالي اختباراً مهماً لمرونة الشركات المدرجة في أوروبا، ولقدرتها على الحفاظ على التوازن بين نمو الأعمال وضغوط التكلفة ومخاطر الأسواق العالمية.