10-Sep-2026 5 دقائق قراءة

«السيادي» السعودي يستبعد اقتراضاً جديداً في 2026 ويخطط للعودة إلى أسواق الدين مطلع 2027

صندوق الاستثمارات العامة السعودي يوضح أن أسواق الدين الدولية ستبقى المصدر الأكبر للتمويل، مع استبعاد إصدار جديد خلال ما تبقى من 2026، والتركيز على تنويع الموارد عبر الطروحات والتخارجات والشراكات مع القطاع الخاص.

قال صندوق الاستثمارات العامة السعودي إن أسواق الدين الدولية ستظل المصدر الأهم لتمويله في المرحلة المقبلة، مع ترجيح العودة إلى الإصدارات الجديدة مطلع عام 2027، ما يعني عملياً عدم اللجوء إلى اقتراض جديد من الأسواق العامة خلال ما تبقى من 2026 بعد إصدار قوي بقيمة 7 مليارات دولار في مايو الماضي.

وتأتي هذه الرسالة في وقت يواصل فيه الصندوق، أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، إعادة صياغة مزيج التمويل عبر أكثر من قناة، تشمل الطروحات في سوق الأسهم، والتخارج من بعض الأصول، والتمويل المصرفي، وإعادة استثمار العوائد، بما ينسجم مع توسع محفظته الاستثمارية داخل المملكة وخارجها.

أسواق الدين تبقى الخيار الأكبر

أوضح ياسر بن عبد الله السلمان، رئيس الإدارة العامة للمالية في الصندوق، أن قرار التوقيت يرتبط عادة بظروف السوق وقدرتها على استيعاب الإصدارات. ووفق هذه المقاربة، لا يبدو أن الصندوق في حاجة إلى طرح جديد خلال الشهور المتبقية من العام الحالي، خاصة بعد الإقبال القوي الذي حظيت به شريحته الدولارية الأخيرة.

ويعكس هذا التوجه قدرة الصندوق على إدارة احتياجاته التمويلية من دون ضغط على الميزانية أو الاعتماد على مصدر واحد. كما يشير إلى أن الصندوق ينظر إلى الدين كأداة استراتيجية تستخدم عند الحاجة، لا كخيار دائم أو قصير الأجل.

وفي السياق ذاته، شدد السلمان على أن الأسواق العالمية ستبقى المصدر الرئيسي للتمويل، لكن ضمن معادلة مرنة تتغير وفق ظروف السيولة العالمية، وتكلفة الاقتراض، وشهية المستثمرين على أدوات الدين ذات الأجل الطويل.

تنويع التمويل عبر الطروحات والتخارجات

لم يعد التمويل لدى الصندوق مقتصراً على الاقتراض الخارجي، إذ يعتمد على مزيج أوسع يضم التخارج الجزئي من بعض الاستثمارات، وإدراج شركات تابعة في السوق المحلية، إلى جانب العلاقات التمويلية مع البنوك العالمية. هذا التنوع يمنح الصندوق هامشاً أكبر للتحرك ويقلل من حساسيته تجاه التقلبات في أي قناة تمويلية منفردة.

السلمان توقع أيضاً مزيداً من الطروحات لشركات تابعة للصندوق خلال السنوات المقبلة، معتبراً أن أي شركة تكتمل جاهزيتها الفنية والمالية يتم العمل على تجهيز ملفها بالتنسيق مع الجهات التنظيمية. هذا النهج يعكس تحولاً من مجرد طرح الأصول إلى إدارة دورة حياة الشركات بوصفها جزءاً من بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

كما أوضح أن وصف الطرح بأنه تخارج لا يعبّر بدقة عن فلسفة الصندوق، لأن بعض الشركات المطروحة تبقى مرتبطة برؤية أوسع للنمو والتوسع، لا بخروج نهائي من الاستثمار. وتجربة شركات مثل «علم» قدمت نموذجاً واضحاً على أن الإدراج قد يكون مرحلة ضمن مسار تطوري أوسع.

شراكات أعمق مع القطاع الخاص

تزامنت هذه التصريحات مع صدور تفاصيل استراتيجية الصندوق الجديدة للأعوام الخمسة المقبلة، والتي تضع في قلبها مفهوم التكامل مع القطاع الخاص. فالصندوق لم يعد يكتفي بضخ رأس المال في مشاريع منفردة، بل يسعى إلى ربط الاستثمارات ببعضها داخل منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على توليد أثر أكبر على الناتج المحلي والوظائف وسلاسل الإمداد.

وبحسب السلمان، فإن الصندوق يعمل منذ سنوات بالشراكة مع المستثمرين المحليين والدوليين، لكنه يتجه الآن إلى تنظيم هذه العلاقة بشكل أوضح وأكثر منهجية. ويظهر ذلك في المشاريع التي جذبت بالفعل رؤوس أموال خاصة، وفي المنصة التابعة للصندوق التي تعرض فرصاً استثمارية متنوعة أمام الشركاء المحتملين.

هذا التحول مهم من زاوية الاقتصاد الكلي، لأنه يعني أن كل ريال يضخه الصندوق قد يجذب استثمارات إضافية من السوق، بما يضاعف الأثر التنموي. كما أنه يخفف من العبء المباشر على التمويل العام ويعزز مشاركة رأس المال الخاص في القطاعات المستهدفة.

المحفظة المالية ودورها في دعم التصنيف الائتماني

أحد أبرز ملامح حديث الصندوق يتعلق بالدور الذي تؤديه محفظته المالية في دعم مركزه الائتماني مستقبلاً. فبحسب السلمان، فإن الهدف ليس فقط تحقيق عوائد مباشرة، بل بناء قاعدة دخل متينة تمنح الصندوق قوة تمويلية أكبر وتدعم تصوره لدى وكالات التصنيف والأسواق الدولية.

أما المحفظة الاستراتيجية، فتركز على تعظيم العائد والأثر الاقتصادي داخل المملكة، في حين تمتد محفظة «الرؤية» إلى ستة قطاعات ومنظومات اقتصادية، من بينها السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية. وتُدار هذه المنظومات باعتبارها حلقات مترابطة لا مشاريع مستقلة، وهو ما يرفع كفاءة التخصيص الرأسمالي ويزيد فرص النجاح التشغيلي.

ويبدو هذا النهج واضحاً في منظومات السفر والسياحة مثلاً، حيث يجري النظر إلى المطار والناقل الجوي والمعارض والمشاريع الساحلية باعتبارها أجزاء من قصة نمو واحدة، لا عناصر منفصلة. هذه المقاربة تمثل انتقالاً من تمويل الشركات إلى بناء قطاعات كاملة.

قاعدة مالية أقوى وأرباح أعلى

يدخل الصندوق هذه المرحلة الجديدة وهو يمتلك قاعدة مالية أكثر صلابة من السنوات السابقة. فقد ارتفع صافي أرباحه بنسبة 152 في المائة ليصل إلى 65.1 مليار ريال في 2025، بينما نمت الإيرادات بنحو 9 في المائة لتبلغ قرابة 449 مليار ريال.

كما بلغت قيمة الأصول الإجمالية نحو 4.54 تريليون ريال بنهاية 2025، في حين وصلت الأصول المدارة إلى قرابة 3.4 تريليون ريال، مقارنة بنحو 500 مليار ريال فقط في 2015. وتكشف هذه الأرقام عن توسع كبير في الحجم والقدرة التشغيلية خلال أقل من عقد.

ووفق السلمان، بلغ متوسط العائد السنوي منذ 2017 نحو 5.8 في المائة، وهي نسبة تعكس مزيجاً من الاستثمار المباشر والشراكات والتوسع القطاعي. كما أشار إلى أن الصندوق ضخ نحو 750 مليار ريال في الاقتصاد السعودي خلال السنوات الخمس الماضية، وأسهم تراكمياً بنحو 1.286 تريليون ريال في الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي خلال الفترة نفسها.

مزيد من الإدراجات في الأفق

يرى الصندوق أن الطروحات العامة ستظل أداة أساسية في تحويل الأصول إلى شركات أكثر نضجاً وانفتاحاً على السوق. وتوقع السلمان زيادة عدد الإدراجات في السنوات المقبلة، مؤكداً أن الجهات المعنية تجهز الملفات عندما تكون الشركة مؤهلة من حيث الأداء والحوكمة والجاهزية التشغيلية.

هذا المسار ينسجم مع هدف أوسع يتمثل في توسيع قاعدة المستثمرين في السوق السعودية، وتعميق السيولة، ورفع مستوى مشاركة القطاع الخاص. كما يمنح الشركات التابعة حافزاً أكبر للانضباط المالي والتحسين المستمر، لأن الإدراج يفرض مستوى أعلى من الشفافية والمتابعة.

وفي المحصلة، يبدو أن صندوق الاستثمارات العامة يسعى إلى إدارة نموه عبر توازن دقيق بين الدين والأسهم والشراكات والعوائد الداخلية، مع الحفاظ على مرونة تمويلية عالية تسمح له بمواصلة تنفيذ مشاريع طويلة الأجل دون الاعتماد المفرط على مصدر واحد للتمويل.