10-Oct-2026 5 دقائق قراءة

الأسهم الأوروبية تتراجع مع صعود النفط وعودة مخاطر الشرق الأوسط إلى الأسواق

تراجعت الأسهم الأوروبية مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، بينما واجهت الشركات ضغوطاً إضافية من تكاليف الطاقة وتباين نتائج الأعمال الفصلية. كما دعم ذلك أسهم قطاع الطاقة ورفع المخاوف من انعكاسات مباشرة على التضخم وسلاسل الإمداد.

ضغط جيوسياسي يعيد الحذر إلى الأسواق

افتتحت الأسهم الأوروبية تعاملات الثلاثاء على تراجع ملحوظ، مع عودة المخاوف المرتبطة بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة التداولات. وجاء هذا الأداء في وقت يراقب فيه المستثمرون أثر التطورات السياسية على أسعار الطاقة، وعلى التوقعات المستقبلية لأرباح الشركات خلال النصف الثاني من العام.

وانعكست هذه الأجواء سريعاً على المزاج العام في الأسواق، إذ فضل المستثمرون تقليص المخاطرة والاتجاه نحو القطاعات الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الوقود والنقل والتكاليف التشغيلية. وفي المقابل، استفادت أسهم الطاقة من الارتفاع الجديد في أسعار النفط، لتتحرك عكس الاتجاه العام للسوق.

السفر والطيران يتصدران الخسائر

تراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنحو 0.4 في المائة ليصل إلى 638.17 نقطة بحلول الساعة 08:10 بتوقيت غرينيتش. وكان قطاع السفر والترفيه الأكثر تضرراً، بعدما هبط بنحو 2 في المائة، وهو ما يعكس حساسية هذا القطاع المباشرة لأي صدمة في أسعار الوقود أو اضطراب في حركة النقل والملاحة.

كما انخفض سهم كل من الخطوط الجوية الفرنسية ولوفتهانزا بنحو 2 في المائة لكل منهما، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يضعون في الحسبان احتمال ارتفاع فاتورة التشغيل إذا استمرت أسعار الطاقة في الصعود. وتُعد شركات الطيران من أكثر الشركات تعرضاً لضغوط ارتفاع النفط، سواء عبر تكلفة الوقود أو عبر تراجع شهية السفر في أوقات عدم اليقين.

وفي الوقت نفسه، زادت التوقعات بأن الشركات المرتبطة بالنقل والخدمات ستواجه هامش ربح أقل إذا طال أمد الارتفاع في تكاليف الطاقة. لذلك، فإن رد الفعل السلبي في أسهم السفر لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى المتعاملين الذين يراقبون العلاقة الوثيقة بين النفط والنشاط الاستهلاكي.

ارتفاع النفط يفرض نفسه على المشهد

جاءت خسائر الأسهم الأوروبية بالتوازي مع صعود خام برنت بنسبة 2.6 في المائة إلى 85 دولاراً للبرميل، بعدما شنت الولايات المتحدة ضربات على إيران لليلة الثالثة على التوالي، وفق ما نقلته التقارير السوقية. كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض حصار على الملاحة الإيرانية وفرض رسوم بنسبة 20 في المائة على البضائع العابرة لمضيق هرمز.

ورغم أن التأثير المباشر لهذه الخطوات على الإمدادات لم يتضح بعد بالكامل، فإن الأسواق عادة ما تتعامل مع أي تهديد لحركة الشحن في الشرق الأوسط بوصفه عامل خطر مرتفعاً، لأن المضيق يشكل ممراً حيوياً لتدفقات الطاقة العالمية. ولهذا السبب، ارتفعت درجة الحذر لدى المستثمرين في أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.

ويخشى المتعاملون أن يؤدي أي اضطراب إضافي في الممرات البحرية أو في منشآت الطاقة إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، بما يضغط على التضخم ويزيد صعوبة مهمة البنوك المركزية. كما أن استمرار الارتفاع في النفط قد ينعكس على تكاليف الإنتاج والشحن واللوجستيات في قطاعات متعددة، لا سيما الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

أرباح الشركات تحت اختبار التوترات

تزايدت أهمية نتائج الشركات الفصلية مع محاولة المستثمرين تقييم ما إذا كانت الاضطرابات الجيوسياسية ستؤثر على الأرباح والتوجيهات المستقبلية. وبعد فترة هدأت فيها الأوضاع نسبياً في الشرق الأوسط، عادت الأسواق لتسعير مخاطر جديدة قد تُربك الخطط التشغيلية والاستثمارية خلال بقية العام.

وفي هذا السياق، هبط سهم إريكسون السويدية بنحو 8 في المائة بعد أن جاءت مبيعاتها الفصلية أقل قليلاً من تقديرات السوق، إلى جانب تحذيرها من ارتفاع تكاليف المكونات. ويعكس ذلك كيف يمكن لأي زيادة في أسعار المدخلات أن تضغط على الشركات حتى خارج القطاعات المرتبطة مباشرة بالطاقة.

وعلى الطرف الآخر، قادت أسهم الطاقة المكاسب القطاعية في أوروبا، مرتفعة بنحو 1.4 في المائة. واستفادت بي بي البريطانية من هذا الاتجاه، إذ صعد سهمها 3 في المائة بعدما أعلنت توقعات بتحسن طفيف في نتائج تداول النفط خلال الربع الثاني مقارنة بالربع السابق، مدعومة بالأسعار المرتفعة.

لكن الصورة لم تكن إيجابية في جميع القطاعات، إذ هبط سهم إيفوتيك الألمانية المتخصصة في اكتشاف الأدوية بنحو 30 في المائة بعد خفض توقعاتها لعام 2026. وأرجعت الشركة ذلك إلى تأخر شراكات استراتيجية كان يفترض أن تساهم في دعم أهدافها المالية ابتداءً من عام 2027، ما زاد الضغط على سهمها في جلسة مضطربة أساساً.

المعادن تتحرك مع الطلب الصيني ومخاوف الإمداد

امتد تأثير القلق الجيوسياسي إلى أسواق المعادن، حيث واصل النحاس مكاسبه ليصل إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أسابيع. وارتفع سعر النحاس القياسي لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن 0.4 في المائة إلى 13601 دولاراً للطن المتري، بدعم من تحسن الطلب في الصين وتشدد الإمدادات الفعلية في السوق.

وأظهرت البيانات أن صادرات الصين سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في يونيو، وهو ما عزز التوقعات بتحسن النشاط الصناعي في أكبر مستهلك للمعادن في العالم. كما ارتفع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي 1.1 في المائة إلى 104390 يواناً للطن، بينما أشارت العلاوة الفورية إلى زيادة في ندرة المعروض.

وأوضحت متابعات السوق أن ارتفاع العلاوات وانخفاض المخزونات في البورصات يعكسان محدودية الإمدادات الفورية. وزاد تراجع الدولار من دعم المعادن المقومة بالعملة الأميركية، لأن ذلك يجعلها أقل تكلفة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

وفي بقية المعادن، ارتفع الألمنيوم 0.2 في المائة إلى 3177 دولاراً للطن، واستقر النيكل عند 16765 دولاراً، وصعد الزنك 0.5 في المائة إلى 3582 دولاراً، فيما ارتفع القصدير 1.8 في المائة إلى 53525 دولاراً. أما الرصاص فتراجع 0.5 في المائة إلى 1859.50 دولاراً للطن بعد زيادة كبيرة في المخزونات.

تأثيرات أوسع على التضخم والسياسة النقدية

لا تقتصر أهمية ارتفاع النفط على أسواق الأسهم فحسب، بل تمتد إلى توقعات التضخم في الاقتصادات الكبرى. فمع صعود الطاقة، ترتفع أيضاً مخاطر انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يضعف آمال المستثمرين في تخفيف سريع للسياسة النقدية.

هذا العامل يكتسب أهمية خاصة في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم الأميركية ونتائج البنوك الكبرى، بينما يسعى الاحتياطي الفيدرالي إلى موازنة هدفين متنافسين: دعم النمو من جهة، وكبح الأسعار من جهة أخرى. وأي زيادة جديدة في تكلفة النفط قد تجعل هذا التوازن أكثر صعوبة.

وبالنسبة للأسواق الأوروبية، فإن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين فوق تحديات النمو البطيء، وضعف بعض نتائج الشركات، وتباين أداء القطاعات. ولذلك، فإن حركة اليوم تعكس موقفاً دفاعياً عاماً أكثر من كونها ردة فعل عابرة على خبر سياسي.

في المحصلة، تبدو الأسواق أمام مزيج معقد من العوامل: نفط أعلى، مخاوف من اضطراب الإمدادات، ضغط على شركات الطيران والنقل، واستفادة نسبية لأسهم الطاقة. وبين هذه العناصر، يبقى اتجاه التطورات الجيوسياسية هو العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الجلسات المقبلة.