سجلت اليابان في أغسطس قفزة لافتة في قيمة وارداتها، مدفوعة بالارتفاع الحاد في أسعار النفط وما ترتب عليه من زيادة كبيرة في كلفة الطاقة. وفي المقابل، واصلت الصادرات اليابانية أداءها القوي للشهر الثاني عشر على التوالي، بدعم من الطلب العالمي على المنتجات المرتبطة بأشباه الموصلات، لكن هذا الزخم لم يكن كافياً لمنع اتساع العجز التجاري.
وتأتي هذه البيانات في توقيت حساس بالنسبة لصانعي السياسة النقدية في طوكيو، إذ تعزز الاحتمالات بأن بنك اليابان قد يمضي في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب هذا الأسبوع، في ظل ضغوط متزايدة على التضخم والميزان التجاري معاً.
قفزة في الواردات رغم قوة الين
أظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية أن الواردات ارتفعت بنسبة 28 في المائة على أساس سنوي خلال أغسطس، وهو أكبر نمو تسجله منذ نوفمبر 2022، متجاوزة توقعات السوق التي كانت تشير إلى زيادة بنحو 26.3 في المائة. وجاء هذا الارتفاع رغم التحسن الذي شهده الين بعد تدخل نادر ومنسق لدعم العملة، شاركت فيه السلطات اليابانية إلى جانب الولايات المتحدة.
لكن تأثير قوة الين لم يكن كافياً لتخفيف العبء على فاتورة الاستيراد. فقد طغى صعود أسعار النفط على أي مكاسب ممكنة من تحسن سعر الصرف، ما رفع تكلفة المشتريات الخارجية بشكل واضح. وارتفعت أحجام واردات النفط الخام 3.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، بينما قفزت قيمة هذه الواردات 58.7 في المائة، وهو ما يوضح مدى حساسية الاقتصاد الياباني لأي تحرك في أسعار الطاقة العالمية.
ويرى اقتصاديون أن الأثر الكامل لارتفاع أسعار الخام لم يظهر بعد في الأرقام، بسبب الفجوة الزمنية التي تفصل بين التسعير العالمي ووصول الشحنات إلى الموانئ اليابانية. ووفق تقديرات معهد دايوا للأبحاث، قد تواصل تكاليف الاستيراد الارتفاع خلال سبتمبر، مع انعكاس موجة الصعود الأخيرة في أسعار النفط على الواردات اللاحقة.
الصادرات تحافظ على الزخم بفضل الرقائق والمعادن
على الجانب الآخر من المعادلة، سجلت الصادرات اليابانية نمواً قوياً بلغ 19.3 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات المحللين البالغة 18.2 في المائة، وإن كانت الزيادة أبطأ من نمو 23.2 في المائة المسجل في يوليو. ويعكس ذلك استمرار الطلب العالمي على بعض السلع اليابانية عالية القيمة، خاصة المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد أشباه الموصلات.
كما استفادت الصادرات من ارتفاع أسعار المعادن غير الحديدية، إلى جانب تحسن الشحنات إلى الأسواق الرئيسية. فقد ارتفعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 24.9 في المائة، بينما زادت الشحنات إلى الصين 20.6 في المائة. ويؤكد ذلك أن التجارة الخارجية اليابانية لا تزال مدعومة بقوة في قطاعات محددة، رغم التباطؤ النسبي في بعض الأسواق العالمية.
ومع ذلك، لم يكن أداء الصادرات كافياً لتعويض الزيادة الحادة في الواردات، خصوصاً في الطاقة. ونتيجة لذلك، سجّل الميزان التجاري عجزاً بلغ 1.106 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 7.12 مليار دولار، وهو أسوأ من التقديرات التي كانت تشير إلى عجز قدره 1.053 تريليون ين.
الطاقة تعمّق ضغوط التضخم والعجز التجاري
يعكس اتساع العجز التجاري هشاشة الاقتصاد الياباني أمام تقلبات سوق الطاقة العالمية، في بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز. ومع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل خلال الأسابيع الماضية، إثر مخاوف من اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، باتت الضغوط على تكلفة الواردات أكثر وضوحاً.
ويحذر محللون من أن استمرار أسعار الخام عند مستويات مرتفعة قد يطيل أمد الضغوط على التضخم، حتى إذا استقرت الأسعار لاحقاً، لأن أثر الارتفاع ينتقل إلى تكلفة الاستيراد بعد فترة زمنية. وهذا يعني أن الشركات والمستهلكين في اليابان قد يواجهون موجة إضافية من ارتفاع الأسعار في الأشهر المقبلة.
كما أن اتساع العجز التجاري يطرح تحدياً جديداً أمام قدرة اليابان على الحفاظ على توازنها بين دعم النمو والحد من التضخم. فبينما تسهم الصادرات القوية في دعم النشاط الصناعي، تظل فاتورة الطاقة عاملاً ضاغطاً على الدخول الحقيقية وعلى موازين التجارة الخارجية.
بنك اليابان أمام اختبار جديد للسياسة النقدية
تأتي هذه التطورات قبيل اجتماع مهم لبنك اليابان، وسط توقعات واسعة بأن يرفع البنك سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 18 سبتمبر ليصل إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويعكس هذا الاحتمال تزايد القناعة بأن الظروف الاقتصادية الحالية لم تعد تسمح بالإبقاء على السياسة النقدية التيسيرية بالشكل نفسه.
ويرى محللون أن اجتماع عوامل عدة، من بينها قوة الصادرات وارتفاع الأجور وزيادة تكلفة الواردات، يمنح البنك المركزي مبررات إضافية لمواصلة التشديد النقدي. وقد يلمح البنك أيضاً إلى إمكانية تسريع وتيرة رفع الفائدة إذا اعتبر أن ضغوط الطاقة بدأت ترفع مخاطر تجاوز التضخم لمستهدفاته.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات النمو المعدلة إلى أن الاقتصاد الياباني أظهر قدرة أفضل من المتوقع على الصمود خلال الربع الممتد من أبريل إلى يونيو، مدعوماً بإنفاق الشركات. لكن هذا التحسن لا يلغي حقيقة أن ارتفاع أسعار الطاقة يظل من أبرز المخاطر التي قد تعيد تشكيل مسار النمو والتضخم معاً.
معادلة اقتصادية أكثر تعقيداً
تضع البيانات الأخيرة اليابان أمام معادلة دقيقة: صادرات قوية تدعم النشاط الاقتصادي وتمنح الصناعات اليابانية دفعة مهمة، مقابل واردات طاقة مرتفعة تعمّق العجز التجاري وتغذي الضغوط التضخمية. وبين هذين الاتجاهين، يجد بنك اليابان نفسه مضطراً إلى الموازنة بين الحاجة إلى ضبط الأسعار والحفاظ على زخم التعافي الاقتصادي.
ومع استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، تبدو الضغوط الحالية مرشحة للاستمرار في المدى القريب. وهذا يجعل مسار السياسة النقدية اليابانية أكثر ارتباطاً بالتطورات في سوق الطاقة العالمية، وبقدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص الارتفاع الجديد في كلفة الاستيراد من دون خسارة زخم التجارة والصناعة.