افتتاح إيجابي للأسواق الأوروبية
سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً ملحوظاً في مستهل تداولات الثلاثاء، في جلسة اتسمت بعودة الشهية إلى الأصول عالية المخاطر، مدفوعة بأداء قوي لقطاع التكنولوجيا وتحديداً الشركات المرتبطة بصناعة الرقائق والأتمتة. وجاء هذا التحسن بينما بقيت الأنظار معلقة على بيانات التضخم المنتظر صدورها في منطقة اليورو لاحقاً خلال اليوم، لما قد تحمله من إشارات مهمة بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية.
وارتفع المؤشر الأوروبي الأوسع نطاقاً «ستوكس 600» بنسبة 0.7 في المائة ليصل إلى 625.20 نقطة بحلول الساعة 07:15 بتوقيت غرينتش، في أداء يعكس بداية أسبوع حذرة ولكن إيجابية نسبياً للأسواق الإقليمية.
التكنولوجيا تقود المكاسب
تصدر قطاع التكنولوجيا قائمة القطاعات الصاعدة بزيادة بلغت 2.4 في المائة، مستفيداً من موجة تفاؤل مرتبطة بالتوقعات الإيجابية لشركة «إس تي ميكروإلكترونيكس». وقفز سهم الشركة 9.8 في المائة إلى 65.1 يورو، ليسجل أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2000، بعد أن رفعت الشركة تقديراتها لإيرادات أعمال مراكز البيانات.
وتعكس هذه الحركة استمرار الزخم في الطلب المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو عامل بات يؤثر بشكل مباشر في تقييمات شركات الشرائح الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية. كما دعمت أسهم شركات أخرى ذات صلة، مثل «إنفينيون» و«شنايدر إلكتريك»، بارتفاعات بلغت 5.2 في المائة و2.4 في المائة على الترتيب.
ترقب التضخم ورهانات الفائدة
يركز المستثمرون اليوم على تقرير أسعار المستهلكين في منطقة اليورو، الذي من المتوقع أن يظهر ارتفاعاً سنوياً في التضخم إلى 3.2 في المائة خلال مايو، مقارنة بالشهر السابق. وسيكون لنتائج هذا التقرير أثر مباشر في تقديرات الأسواق بشأن قرارات البنك المركزي الأوروبي في اجتماعه المقبل.
وبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، ترى الأسواق احتمالاً متزايداً لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الأسبوع المقبل. ويأتي ذلك في وقت يوازن فيه صناع السياسة بين تباطؤ بعض الضغوط السعرية من جهة، وبقاء التضخم أعلى من المستويات المستهدفة من جهة أخرى.
عوامل جيوسياسية تدعم الحذر في التداول
إلى جانب البيانات الاقتصادية، ظل المستثمرون يراقبون التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعد الإعلان عن وقف إطلاق نار جزئي بين لبنان وإسرائيل عقب تصعيد محدود للأعمال العدائية في اليوم السابق. وساعد هذا التطور على تحسين المعنويات نسبياً، رغم بقاء مستويات القلق قائمة بسبب احتمال انعكاس التوترات الإقليمية على تكاليف الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط الخام بنحو 1 في المائة، وسط متابعة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن المحادثات مع إيران. ورغم هذا الهبوط، تشير تقديرات السوق إلى أن أسعار النفط ما زالت قرب مستويات مرتفعة نسبياً عند نحو 94 دولاراً للبرميل، ما يبقي تأثيرها على التضخم والنشاط الاقتصادي في دائرة الاهتمام.
تحركات بارزة في الأسهم الفردية
بعيداً عن موجة الصعود في قطاع التكنولوجيا، شهدت بعض الأسهم تحركات حادة لأسباب خاصة بالشركات. فقد هبط سهم شركة «أبيفاكس» الفرنسية 27 في المائة، بعد إعلان نتائج المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية لعقارها المخصص لعلاج التهاب الأمعاء، وهو ما ضغط بقوة على السهم في الجلسة المبكرة.
وتوضح هذه التحركات أن السوق الأوروبية لا تزال تتأرجح بين عوامل داعمة، أبرزها قوة بعض شركات التكنولوجيا وتوقعات الذكاء الاصطناعي، وبين ضغوط ناتجة عن بيانات الكلية الأوروبية، والتسعير المستقبلي للفائدة، والتطورات الجيوسياسية التي قد تعيد تشكيل اتجاهات المستثمرين خلال الأيام المقبلة.
قراءة في المشهد الاستثماري
تعكس الجلسة الحالية حالة سوقية تجمع بين التفاؤل المحسوب والانتظار الحذر. فمن جهة، توفر التوقعات القوية للشركات الصناعية والتكنولوجية دعماً واضحاً للمؤشرات، خصوصاً عندما ترتبط بقصص نمو مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. ومن جهة أخرى، يبقى التضخم العنصر الأكثر حساسية في معادلة الأسواق الأوروبية، لأنه يؤثر مباشرة في توقعات العوائد والسندات وكلفة التمويل.
وفي هذا السياق، تبدو تحركات اليوم أقرب إلى إعادة تسعير مؤقتة للمخاطر منها إلى تحول كامل في الاتجاه. وإذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع، فقد تعزز الرهانات على مزيد من التشديد النقدي، أما إذا أظهرت تباطؤاً أو استقراراً، فقد تجد الأسهم دفعة إضافية مع تراجع الضغط على تقييمات الشركات.
وبين زخم التكنولوجيا، وتوقعات الفائدة، ومخاطر الشرق الأوسط، تدخل الأسواق الأوروبية جلسة الثلاثاء في بيئة تتطلب قدراً كبيراً من المتابعة الدقيقة قبل اتضاح الصورة الكاملة لمسار النصف الثاني من العام.