تراجع واضح في رغبة الشركات لتمرير التكاليف
تكشف قراءة حديثة لتعليقات أرباح الشركات الكبرى في منطقة اليورو أن موجة جديدة من زيادات الأسعار لم تبدأ بعد، رغم الارتفاع في تكاليف الطاقة الذي أثارته الحرب الإيرانية. فبحسب تحليل شمل مكالمات أرباح مئات الشركات، لم تشر سوى نسبة محدودة إلى نية واضحة لرفع الأسعار، بينما فضلت أغلبية أكبر التريث أو الاعتماد على بدائل أخرى مثل خفض النفقات وتحسين الكفاءة.
وتعكس هذه النتيجة أن الشركات الأوروبية ما زالت تواجه بيئة طلب ضعيفة، ما يحد من قدرتها على نقل أعباء الكلفة إلى المستهلك النهائي. وفي الوقت الذي يتابع فيه المستثمرون والبنك المركزي الأوروبي احتمال انتقال الصدمة الجيوسياسية إلى التضخم، تبدو المؤشرات الحالية أقل حدة بكثير مما حدث بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.
ويأتي هذا التباين في لحظة حساسة بالنسبة للسياسة النقدية في منطقة العملة الموحدة، إذ يسعى صانعو القرار إلى تقييم ما إذا كانت الضغوط الحالية مؤقتة أم أنها قد تتوسع لتؤثر في الأسعار الأساسية خلال الأشهر المقبلة.
مقارنة مباشرة مع تجربة 2022
الفرق بين المشهد الحالي وما جرى قبل أربع سنوات يبدو كبيراً. ففي أزمة 2022، كانت الشركات تتحرك بسرعة أكبر لرفع أسعارها، مستفيدة من طلب استهلاكي أقوى، ودعم حكومي واسع، وصدمة طاقة أعمق. أما اليوم، فالوضع الاقتصادي أقل سخونة، والنمو أبطأ، وسوق العمل أقل ضغطاً، ما يجعل تمرير التكاليف مهمة أصعب.
وتوضح البيانات أن التضخم في منطقة اليورو كان مرتفعاً بالفعل عند بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، بينما كان عند مستوى أقل بكثير عند اندلاع الحرب الإيرانية. هذا الفارق في نقطة الانطلاق يفسر جزئياً لماذا لا يبدو أن الاقتصاد الأوروبي يتجه حالياً إلى موجة تضخمية مماثلة لما حدث في 2022.
كما أن غياب حزم دعم مالي واسعة، مقارنة بما جرى بعد الجائحة، يقلص قدرة الشركات على رفع الأسعار دون التأثير في المبيعات. وفي بيئة كهذه، يصبح الحفاظ على الحصة السوقية أولوية في كثير من القطاعات، حتى لو جاء ذلك على حساب الهوامش الربحية.
الذكاء الاصطناعي يدخل في تحليل سلوك التسعير
أحد الجوانب اللافتة في هذا التحليل هو الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لفرز وفهم نصوص مكالمات الأرباح. فبدلاً من الاكتفاء بالمؤشرات التقليدية، جرى تفحص مئات المكالمات لرصد لغة الشركات تجاه تكاليف الطاقة وخطط التسعير المقبلة، وهو ما أتاح صورة أكثر تفصيلاً عن سلوك القطاع الخاص في مواجهة الصدمات الخارجية.
هذا النوع من التحليل يعكس اتجاهاً متزايداً في الاقتصاد الرقمي، حيث تُستخدم نماذج معالجة اللغة والذكاء الاصطناعي لاستخلاص إشارات سوقية من بيانات غير منظمة، مثل إفصاحات الأرباح والمكالمات مع المستثمرين. وبالنسبة للمحللين، فإن هذه الأدوات تساعد على اكتشاف التحولات المبكرة في توقعات الأسعار قبل أن تظهر بوضوح في البيانات الرسمية.
كما تظهر أهمية هذا النهج في المقارنة بين القطاعات: فالشركات الصناعية والشركات التي تتعامل مع عملاء من الشركات الأخرى كانت أكثر قدرة على رفع الأسعار، بينما بدت الشركات الموجهة للمستهلك النهائي أكثر تحفظاً، إدراكاً منها لحساسية الطلب الاستهلاكي.
القطاعات الصناعية أكثر قدرة على رفع الأسعار
يبرز في التحليل أن الشركات الصناعية تمتلك مساحة أوسع لتمرير التكاليف من نظيراتها في القطاعات الاستهلاكية. فهذه الشركات غالباً ما تتعامل في سلاسل توريد طويلة، وتبيع لعملاء مهنيين أو شركات أخرى، ما يمنحها قدرة أعلى على إعادة تسعير منتجاتها عند ارتفاع المواد الخام أو الطاقة.
وفي المقابل، تكون الشركات التي تخاطب المستهلك النهائي مضطرة إلى مراعاة المنافسة المباشرة ومستويات الإنفاق الأسري. لذلك فضلت بعض سلاسل التجزئة الحفاظ على أسعار مستقرة، بينما ركزت شركات سيارات كبيرة على خفض التكاليف الداخلية بدلاً من نقل العبء إلى المشترين.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن بعض الشركات الكيماوية والصناعية كانت من بين الأكثر ميلاً إلى تعديل الأسعار، بسبب تعرضها المباشر لارتفاع تكاليف المدخلات. ومع ذلك، فإن حتى هذه الشركات لا تتحرك بذات السرعة التي شوهدت في أزمة 2022، وهو ما يعكس تغيّر شروط السوق وتراجع الزخم الاستهلاكي.
مخاطر التضخم لم تختفِ بالكامل
رغم غياب إشارات قوية على موجة تسعير واسعة، لا يعني ذلك أن الضغوط السعرية انتهت. فهناك قطاعات بدأت بالفعل في إضافة رسوم مرتبطة بالوقود أو الشحن أو الطاقة، لا سيما في النقل والخدمات اللوجستية. ومع مرور الوقت، قد تنتقل هذه الزيادات إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد عبر سلاسل التوريد.
ويتفق عدد من الاقتصاديين على أن انتقال الصدمة إلى المستهلك يحتاج وقتاً أطول مما يتوقعه البعض، وقد يمتد من بضعة أشهر إلى أكثر من عام بحسب القطاع وطبيعة العقود ومدى مرونة الطلب. وهذا يعني أن التضخم قد يبقى تحت المراقبة حتى لو لم يظهر فوراً في الزيادات الواسعة على الأسعار.
كما أن بعض الشركات أصبحت أكثر اعتماداً على أدوات التحوط والعقود طويلة الأجل، ما يخفف الحاجة إلى تمرير الصدمة مباشرة إلى العملاء. هذه الاستراتيجيات اكتسبت زخماً بعد تجربة 2022، حين دفعت الأزمة كثيراً من الشركات إلى إعادة التفكير في إدارة المخاطر السعرية.
تأثيرات أوسع على السياسة النقدية والنمو
بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، تمنح هذه الصورة مساحة أكبر للانتظار قبل اتخاذ قرارات تشديد إضافية. فكلما بقيت زيادات الأسعار محدودة، زادت القدرة على تجنب رفع الفائدة بوتيرة كبيرة، خصوصاً إذا كان التضخم الأساسي لا يُظهر علامات تسارع واضح.
لكن في المقابل، يبقى خطر التضخم المستورد قائماً إذا استمرت الطاقة والمواد الخام في الارتفاع، أو إذا أدى اتساع الصراع إلى ضغط إضافي على سلاسل الإمداد. لذلك، فإن السياسة النقدية ستظل تعتمد على مراقبة دقيقة لتوقعات الشركات وسلوك التسعير الفعلي خلال الربعين المقبلين.
وفي المحصلة، توضح المؤشرات الحالية أن اقتصاد منطقة اليورو يدخل مرحلة مختلفة عن 2022: صدمة جيوسياسية موجودة، لكن القدرة على تمريرها إلى الأسعار أضعف، والطلب أقل، والتحوط أعلى، والذكاء الاصطناعي بات أداة مهمة لالتقاط هذه التحولات مبكراً.