مرونة سعودية في سوق مضطرب
رغم الضغوط التي فرضتها التوترات الجيوسياسية على قطاع الطيران في الخليج، برزت الناقلات السعودية بوصفها الأكثر قدرة على التكيّف السريع مع الاضطرابات التشغيلية وتبدل مسارات السفر. وتشير تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي إلى أن القطاع في المنطقة واجه صدمة مباشرة من إغلاقات الأجواء وتراجع الطلب، لكن الشركات السعودية تحركت بوتيرة أسرع لإعادة تنظيم عملياتها والحفاظ على مستويات تشغيل مستقرة نسبياً.
ويأتي ذلك في وقت تكبدت فيه شركات الطيران في المنطقة خسائر بمليارات الدولارات نتيجة الاضطرابات الأخيرة، فيما ظل الطلب على السفر عرضة للتقلب مع استمرار المخاطر الأمنية وتغيرات المرور الجوي في بعض الممرات الإقليمية.
وبحسب تصريحات مسؤولي الاتحاد الدولي، فإن هذه المرونة لا تعكس فقط قدرة تشغيلية أعلى، بل تشير أيضاً إلى مكانة الطيران السعودي ضمن منظومة النقل الجوي الإقليمية، حيث بات يمثل أحد العناصر الأكثر استعداداً لامتصاص الصدمات مقارنة بأسواق أخرى أكثر هشاشة.
تراجع مؤقت في الطلب وتأثير مباشر على الربحية
أظهرت البيانات التي جرى استعراضها أن حركة المسافرين في الخليج تراجعت بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة، إذ انخفضت بنحو 50 في المائة في مارس، ثم 47 في المائة في أبريل. ويرتبط هذا الهبوط، بدرجة كبيرة، بإغلاقات الأجواء المتكررة وما نتج عنها من تعديل للمسارات وتأخير للرحلات وارتفاع في كلفة التشغيل.
كما انعكست الاضطرابات على أرباح شركات الطيران، ليس فقط بسبب انخفاض عدد المسافرين، بل أيضاً نتيجة زيادة استهلاك الوقود على بعض المسارات البديلة، وارتفاع النفقات اللوجستية المرتبطة بإعادة التخطيط التشغيلي. وفي قطاع يعتمد على هوامش ربح ضيقة، تصبح أي زيادة في الكلفة أو أي نقص في الطلب عامل ضغط سريع على النتائج المالية.
وتشير التوقعات طويلة الأجل، رغم هذه الصعوبات، إلى استمرار النمو في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، مع معدل نمو سنوي متوقع يصل إلى 3.9 في المائة حتى عام 2050 في بعض السيناريوهات، ما يعزز الرهان على أن الأزمة الحالية، على حدتها، تبقى مرحلة مؤقتة ضمن مسار أوسع من التوسع الإقليمي.
أجواء مغلقة ومسارات مضطربة
من أبرز ما أثّر في القطاع خلال الفترة الماضية تعدد حالات إغلاق المجال الجوي في عدد من الدول، حيث اضطر نحو 10 بلدان إلى الإغلاق لفترات متفاوتة وصلت في بعضها إلى 70 يوماً. هذا الواقع أربك حركة العبور عبر المراكز الجوية الرئيسة في المنطقة، وفرض على الشركات تغييراً مستمراً في الجداول والمسارات.
وفي مثل هذه الظروف، لا يقتصر الأثر على الرحلات المتجهة إلى الوجهات المتضررة مباشرة، بل يمتد إلى الشبكات الإقليمية الأوسع التي تعتمد على الربط بين الشرق والغرب. ولذلك، فإن أي تعطّل في ممر جوي رئيسي ينعكس على سلسلة كاملة من العمليات: من التخطيط، إلى الوقود، إلى حقوق الهبوط، وصولاً إلى تجربة المسافر نفسه.
ويؤكد مسؤولو القطاع أن عودة التشغيل إلى مستويات ما قبل فبراير لم تتحقق بعد في عدد من الأسواق، ما يعني أن أثر الأزمة لا يزال قائماً، حتى وإن بدأت بعض الشركات في استعادة جزء من طاقتها التشغيلية تدريجياً.
قطاع الطيران السعودي بين النمو والحذر
في مقابل الصورة الضاغطة إقليمياً، تبدو التوقعات الخاصة بالسوق السعودية أكثر تفاؤلاً. إذ يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي نمواً للقطاع في المملكة يتراوح بين 3 و5 في المائة، وهو ما يُعد إشارة إيجابية في ظل التحديات العالمية التي تشمل أسعار الوقود، واضطرابات الإمداد، والمخاطر الجيوسياسية.
ويعكس هذا النمو المرتقب استمرار الاستثمار في البنية التحتية الجوية، وتوسع شبكة الربط، وارتفاع أهمية السوق السعودية ضمن منظومة السفر الإقليمية والدولية. كما يشير إلى أن السوق المحلية تمتلك قاعدة أقوى للتعامل مع الصدمات، سواء من ناحية الطلب أو من ناحية الإدارة التشغيلية.
لكن هذا التفاؤل لا يلغي حقيقة أن القطاع ما زال عرضة لتقلبات خارجية، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الجغرافيا الاقتصادية مع التطورات الأمنية والسياسية. ومن هنا، تبدو المرونة الحالية أقرب إلى ميزة تنافسية يجب الحفاظ عليها وتطويرها، لا إلى حصانة دائمة.
740 مليون دولار من الأموال المحتجزة
إلى جانب التحديات التشغيلية، يواجه قطاع الطيران أزمة مالية أخرى تتعلق بالأموال المحتجزة عالمياً، وهي مبالغ لا تستطيع شركات الطيران تحويلها بحرية من بعض الأسواق إلى الخارج. وتُظهر الأرقام أن منطقتي أفريقيا والشرق الأوسط تستحوذان على نحو 98 في المائة من هذه الأموال، بقيمة تقارب 740 مليون دولار من أصل 756 مليون دولار على مستوى العالم.
وتتصدر الجزائر قائمة الدول التي تحتجز فيها مبالغ لشركات الطيران بنحو 160 مليون دولار، تليها لبنان بنحو 139 مليون دولار، ثم موزمبيق بنحو 87 مليون دولار. وتكمن المشكلة الأساسية في أن الشركات تكون قد أنفقت مسبقاً على الوقود والصيانة والمطارات والملاحة الجوية، ثم تضطر إلى الانتظار طويلاً قبل استرداد إيراداتها.
وتتفاقم الأزمة عندما تتراجع قيمة العملة المحلية خلال فترة الاحتجاز، ما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للمستحقات عند تحويلها لاحقاً إلى الدولار. وفي بعض الحالات، قد يمتد الانتظار قرابة عام كامل، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على السيولة والميزانيات التشغيلية للشركات العاملة في هذه الأسواق.
ماذا يعني ذلك لسوق الطيران الإقليمي؟
تعكس الصورة الحالية مزيجاً من المخاطر والفرص. فمن جهة، أثبتت الناقلات السعودية قدرة أكبر على التكيف مع الصدمات، ما يمنحها موقعاً متقدماً في سوق إقليمية شديدة الحساسية للمتغيرات. ومن جهة أخرى، لا يزال القطاع ككل يعاني من ضغوط مالية وتشغيلية ناتجة عن النزاعات، وإغلاق الأجواء، وارتفاع الكلفة، وتراكم الأموال المحتجزة.
وفي المدى المتوسط، تبدو القدرة على إدارة السيولة، وتنويع المسارات، والحفاظ على انضباط مالي وتشغيلي، عوامل حاسمة في تحديد الفائزين والخاسرين داخل سوق الطيران في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أن استمرار النمو المتوقع حتى 2050 يمنح الصناعة أساساً استثمارياً واعداً، شرط أن تتراجع حدة الاضطرابات الحالية أو تتطور آليات التعامل معها بفعالية أكبر.
وبين صدمة اليوم وفرص الغد، يواصل قطاع الطيران الخليجي اختبار حدود المرونة، فيما تبدو الناقلات السعودية في موقع يسمح لها بالاستفادة من أي تعافٍ قادم إذا استقرت البيئة الإقليمية وعادت انسيابية الحركة الجوية إلى مستوياتها الطبيعية.