تصويت أوروبي مرتقب على اتفاق حساس
يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تمرير اتفاقه التجاري مع الولايات المتحدة في تصويت بالبرلمان الأوروبي خلال الأسبوع المقبل، في خطوة تعكس رغبة بروكسل في تثبيت التفاهمات التجارية مع الحفاظ على مساحة للتحرك إذا تعثرت واشنطن في تنفيذ التزاماتها.
وقال رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانغ، إن التصويت المتوقع سيمنح الاتفاق الأغلبية اللازمة، رغم استمرار القلق داخل المؤسسات الأوروبية بشأن مدى احترام الإدارة الأميركية لبنوده. وأشار إلى أن الموافقة جاءت بعد إدخال ضمانات واضحة تسمح للاتحاد الأوروبي بالرد في حال وقوع خرق، إضافة إلى بند يتيح إنهاء الاتفاق في نهاية عام 2029 ما لم يتم تجديده بتشريع جديد.
ويعد هذا التطور أحد أبرز الملفات التجارية عبر الأطلسي خلال الفترة الحالية، خصوصاً مع تصاعد النقاش في أوروبا حول كيفية حماية المصالح الصناعية والتصديرية الأوروبية في بيئة تجارية تتغير سريعاً.
مخاوف من تغير السياسة التجارية الأميركية
رغم الاستعداد الأوروبي للمضي قدماً، أبدى لانغ تشككاً في قدرة الولايات المتحدة على الالتزام الكامل بالاتفاق، معتبراً أن طبيعة صنع القرار في واشنطن تجعل القرارات التجارية عرضة للتبدل السريع. وأوضح أن تركّز السلطة في البيت الأبيض يزيد احتمالات صدور قرارات لا تنسجم مع التفاهمات القائمة.
وأضاف أن هذا القلق لا يقتصر على ملف الاتحاد الأوروبي، بل ينسحب أيضاً على تعاملات أميركية أخرى، مستشهداً بالنهج الذي تتبعه واشنطن تجاه البرازيل. وكانت الإدارة الأميركية قد اقترحت فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على عدد من الواردات من البرازيل، في خطوة وصفها لانغ بأنها ذات دوافع سياسية.
هذه التطورات تفسر، وفق المشرعين الأوروبيين، سبب إصرار البرلمان على إدراج أدوات دفاعية في الاتفاق، بحيث لا يبقى الاتحاد الأوروبي في موقع المتلقي فقط إذا تغيرت الأولويات الأميركية أو تحولت قواعد التنفيذ.
الرسوم الجمركية تضيق هامش الأفضلية الأوروبية
أوضح لانغ أن الميزة النسبية التي كان يمكن أن يحصل عليها المصدرون الأوروبيون عبر الاتفاق تقلصت بعد أن أصبحت الرسوم الأميركية البالغة 10 في المائة تُطبق على نطاق واسع تقريباً. وبذلك، لم يعد الاتحاد الأوروبي يتمتع بفارق واضح مقارنة ببعض المنافسين في السوق الأميركية كما كان مأمولاً عند توقيع التفاهم.
ورأى أن هذا الواقع يفرض على أوروبا التعامل مع الملف بعقلانية، بعيداً عن الافتراضات السياسية بشأن خصوصية العلاقة عبر الأطلسي. وقال إن المطلوب الآن هو الدفاع عن المصالح الأوروبية بأسلوب براغماتي يوازن بين الحفاظ على قنوات التجارة وبين الاستعداد للرد إذا لزم الأمر.
ويعكس هذا الموقف تحولا أوسع داخل المؤسسات الأوروبية نحو اتفاقات تجارية أكثر تحفظاً، تقوم على ضمانات تنفيذية وآليات مراجعة واضحة، بدلاً من الاعتماد فقط على التعهدات السياسية.
واشنطن تؤكد التزامها بالاتفاق
في المقابل، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير إن الولايات المتحدة ملتزمة بتنفيذ بنود الاتفاق، مؤكداً أن التفاهمات التجارية يجب أن تُعامل على أنها ملزمة. وجاءت تصريحاته خلال اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، حيث سعى إلى طمأنة الشركاء التجاريين بأن واشنطن لا تنوي التراجع عن التزاماتها.
لكن هذه الرسائل الإيجابية لم تبدد بالكامل الشكوك الأوروبية، إذ لا تزال المخاوف قائمة من احتمال تغير الأولويات داخل الإدارة الأميركية أو من أن تؤدي قرارات داخلية إلى التأثير في تطبيق الاتفاق عملياً. ولهذا، يبدو أن الأوروبيين يفضلون الجمع بين الموافقة السياسية والرقابة القانونية.
كما تعكس المواقف المتبادلة إدراكاً متزايداً بأن العلاقات التجارية بين الجانبين لم تعد تُدار بمنطق الاستقرار التقليدي فقط، بل أصبحت مرتبطة بعوامل سياسية وتنظيمية أوسع قد تؤثر في مسار التنفيذ.
اتفاقية تيرنبيري ومعركة التوازن التجاري
الاتفاق الذي يجري التصويت عليه أُبرم في يوليو الماضي في منتجع تيرنبيري للغولف التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب في أسكوتلندا، وهو اتفاق جرى الترويج له حينها باعتباره خطوة لتخفيف التوتر التجاري وتحديد قواعد أوضح للتعامل بين أكبر اقتصادين صناعيين في الغرب.
غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المسألة لا تتعلق فقط بتوقيع الاتفاق، بل بقدرة كل طرف على الاستمرار في الالتزام به ضمن بيئة اقتصادية وسياسية شديدة التقلب. ومن هنا، فإن تصويت البرلمان الأوروبي لا يمثل مجرد إجراء شكلي، بل اختباراً لمدى استعداد أوروبا لدعم التفاهمات التجارية مع إبقاء أدوات الحماية السياسية والقانونية مفعلة.
وفي ضوء ما يجري، يمكن القول إن أوروبا تتجه إلى إقرار الاتفاق لأنها ترى فيه إطاراً ضرورياً لتنظيم العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة، لكنها تفعل ذلك من موقع حذر يراهن على الضمانات أكثر من الثقة الكاملة. وهذا التوازن قد يصبح نموذجاً أوسع في تعامل الاتحاد الأوروبي مع الشركاء التجاريين الكبار خلال المرحلة المقبلة.