أظهر الاقتصاد الكوري الجنوبي خلال الفترة الأخيرة مساراً أكثر تماسكاً، مستفيداً من الأداء القوي لصادرات أشباه الموصلات، في وقت تظل فيه الاضطرابات الخارجية وتحديداً المرتبطة بأسعار الطاقة والشحن البحري مصدر قلق رئيسي لصانعي السياسات.
وأفاد معهد التنمية الكوري بأن وتيرة التحسن الاقتصادي استمرت بشكل تدريجي، مع الإشارة إلى أن الصناعة التكنولوجية، ولا سيما قطاع الرقائق، ما زالت المحرك الأبرز للنشاط الاقتصادي. وفي المقابل، لا تزال المخاطر المحيطة بالاقتصاد قائمة بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وما يرافقها من ضغوط على أسواق النفط العالمية.
الرقائق تقود المؤشرات الرئيسية
اعتمدت كوريا الجنوبية بدرجة متزايدة على قطاع أشباه الموصلات في دعم صادراتها الكلية، بعدما سجلت الشحنات الخارجية نمواً سنوياً قوياً بلغ 53 في المائة خلال مايو الماضي. ويعكس هذا الارتفاع استمرار دورة الطلب المرتفعة على الرقائق، في ظل تعافي أسواق التكنولوجيا وتوسع الاستخدامات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والإلكترونيات المتقدمة.
كما أظهر الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بنسبة 2.4 في المائة خلال أبريل، فيما ارتفع إنتاج التعدين والتصنيع، وهما من أعمدة الاقتصاد الكوري، بنسبة 1.5 في المائة، مدعوماً بزيادة بلغت 13 في المائة في إنتاج أشباه الموصلات. وتدل هذه الأرقام على أن الزخم الصناعي لا يزال يتركز في القطاعات عالية القيمة المضافة أكثر من القطاعات الاستهلاكية التقليدية.
الاستهلاك المحلي يتحسن بحذر
على الرغم من قوة الصادرات، بقيت مؤشرات الطلب الداخلي أكثر اعتدالاً. فقد ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 1.6 في المائة على أساس سنوي في أبريل، مقارنة بنمو أقوى بلغ 5 في المائة في الشهر السابق، ما يشير إلى أن الإنفاق الاستهلاكي لم يستعد بعد كامل قوته.
ومع ذلك، أظهرت ثقة المستهلكين تحسناً لافتاً، إذ ارتفع المؤشر إلى 106.1 نقطة في مايو مقابل 99.2 نقطة في الشهر السابق. ويرى المعهد أن المساعدات النقدية الحكومية قد تمنح الاستهلاك دفعة إضافية خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استقرت أسعار السلع الأساسية ولم تتفاقم الضغوط التضخمية.
الطاقة والتوترات الإقليمية تضغطان على الأسعار
لا يزال ملف النفط يمثل أحد أبرز مصادر عدم اليقين. فاضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، ولا سيما عبر الممرات البحرية الحساسة، يهدد بتعطيل تدفقات الخام إلى الأسواق الآسيوية. كما أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والنقل، وهو ما يضيف عبئاً على الشركات المحلية ويضغط على الأسعار النهائية للمستهلكين.
وأشار معهد التنمية الكوري إلى أن المخاطر السلبية على الاقتصاد ما زالت قائمة، لأن استمرار ارتفاع النفط لا يرفع فقط التضخم الاستهلاكي، بل يزيد كذلك تكاليف الإنتاج في قطاعات واسعة، من الصناعة إلى النقل والخدمات. ويعني ذلك أن أي صدمة إضافية في سوق الطاقة قد تؤخر مسار التعافي التدريجي الذي تشهده البلاد.
التضخم يرتفع مجدداً
سجلت أسعار المستهلكين في كوريا الجنوبية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 3.1 في المائة خلال مايو، مقارنة بزيادة بلغت 2.6 في المائة في أبريل. كما صعد التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، إلى 2.5 في المائة من 2.2 في المائة في الشهر السابق.
ويربط المعهد هذا التسارع بالدرجة الأولى بارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى تأثير مباشر على بعض البنود المرتبطة بالنقل الجوي والخدمات اللوجستية. ويعني ذلك أن التضخم لم يعد محصوراً في السلع المستوردة فقط، بل بدأ يمتد إلى عناصر أوسع من سلة الأسعار الاستهلاكية.
قراءة اقتصادية أوسع
تكشف البيانات الأخيرة عن اقتصاد يتحرك في اتجاه إيجابي، لكن بوتيرة غير متوازنة. فالمحرك الخارجي، المتمثل في الصادرات التقنية، يمنح الناتج المحلي دعماً واضحاً، بينما يظل الطلب الداخلي والتضخم تحت تأثير صدمات الطاقة وتقلبات التجارة العالمية.
هذا التباين يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على زخم الصناعة التصديرية من جهة، واحتواء ارتفاع الأسعار وضمان استقرار الاستهلاك من جهة أخرى. كما أن استمرار الاعتماد الكبير على الرقائق يجعل الاقتصاد أكثر حساسية لتقلبات الدورة العالمية في هذا القطاع، رغم أن موقع كوريا الجنوبية يظل قوياً بفضل قدراتها الصناعية والتكنولوجية المتقدمة.
وفي المدى القريب، يبدو أن الأداء الاقتصادي الكوري سيبقى رهناً بعاملين أساسيين: استمرار قوة الطلب العالمي على أشباه الموصلات، وتطور أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها. وإذا استمرت الصادرات على هذا النسق، فقد يتمكن الاقتصاد من الحفاظ على مسار تعافٍ تدريجي، حتى مع بقاء التضخم والضغوط الخارجية من أبرز التحديات.