الأعمال والاقتصاد الرقمي 13-Jun-2026 5 دقائق قراءة

البنك المركزي الصيني يواصل شراء الذهب للشهر التاسع عشر مع تراجع الأسعار الفورية

رفع بنك الشعب الصيني احتياطاته من الذهب في مايو للشهر التاسع عشر على التوالي، في وقت تراجعت فيه الأسعار الفورية للشهر الثالث، بينما أثرت التوترات الجيوسياسية وقوة الدولار ومخاوف التضخم في مسار السوق العالمية.

استمرار التراكم رغم تراجع الأسعار

واصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطاته من الذهب خلال مايو، مسجلاً الشهر التاسع عشر على التوالي من الشراء، في إشارة إلى تمسّك بكين بسياسة تنويع الأصول وتعزيز التحوط في احتياطاتها الرسمية.

وأظهرت البيانات أن إجمالي حيازات الذهب الخالص لدى البنك ارتفع إلى 74.96 مليون أوقية بنهاية مايو، مقارنةً بـ 74.64 مليون أوقية في نهاية أبريل. ورغم هذه الزيادة الكمية، تراجعت القيمة الإجمالية للاحتياطات إلى 340.75 مليار دولار، بعد أن كانت 344.17 مليار دولار في الشهر السابق، بما يعكس تأثير حركة الأسعار في الأسواق العالمية.

ويأتي هذا المسار في وقت تتعامل فيه البنوك المركزية حول العالم مع بيئة تتسم بارتفاع عدم اليقين، وتقلبات في أسعار الطاقة، وتشديد مالي ممتد في بعض الاقتصادات الكبرى، وهو ما يجعل الذهب أحد الأصول الأكثر استخداماً كوسيلة للتحوط من المخاطر.

ضغوط سعرية في السوق العالمية

تزامنت مشتريات الصين مع تراجع أسعار الذهب في المعاملات الفورية للشهر الثالث على التوالي خلال مايو. وقد أثّرت عدة عوامل في هذا الأداء، من بينها استمرار قوة الدولار، وبقاء المخاوف المرتبطة بالتضخم حاضرة في الأسواق بعد ارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى عدم تحقق نتائج حاسمة في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي يونيو، واصل المعدن الأصفر الهبوط ليتداول عند مستويات تقارب 4330 دولاراً للأوقية، وفق ما ورد في البيانات المتاحة. هذا التراجع لا يلغي أهمية الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، لكنه يوضح أن حركة الأسعار باتت أكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية ومستوى العائد الحقيقي على الأصول المقومة بالدولار.

كما أن استمرار الضغط على الأسعار يعكس تشابك العوامل الجيوسياسية مع مسارات التضخم والنمو العالمي، وهو ما يرفع درجة التذبذب في أسواق المعادن الثمينة، ويجعل قرارات الشراء لدى البنوك المركزية أقل تأثراً بالحركة اليومية وأكثر ارتباطاً بالاستراتيجية طويلة الأمد.

دلالات اقتصادية لسياسة الاحتياطي

زيادة احتياطات الذهب بهذا الشكل المتواصل توحي بأن الصين تنظر إلى المعدن النفيس باعتباره جزءاً من إدارة المخاطر على مستوى الاحتياطي الأجنبي، وليس مجرد أصل استثماري تكتيكي. فتنويع الأصول يقلل الاعتماد على العملات الأجنبية التقليدية، ويمنح صانعي السياسة النقدية مساحة أوسع في مواجهة التقلبات المالية العالمية.

وبالنسبة إلى الأسواق، فإن استمرار شراء الذهب من قبل بنك مركزي بحجم الصين يضيف دعماً هيكلياً للطلب العالمي، حتى عندما تكون الأسعار في مسار هابط على المدى القصير. كما يرسخ قناعة لدى المستثمرين بأن الطلب الرسمي على الذهب لا يتبع بالضرورة الاتجاهات المضاربية نفسها، بل تحكمه اعتبارات تتعلق بالاستقرار المالي والاحتفاظ بالقيمة.

ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن هذه السياسة تعكس أيضاً رغبة في التحوّط من أثر تقلبات العملة الأميركية وتغيرات بيئة أسعار الفائدة العالمية. فكلما بقيت الفوائد مرتفعة لفترة أطول، زادت كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، لكن البنوك المركزية عادة ما توازن بين هذه الكلفة وبين الفوائد الاستراتيجية للاحتفاظ بالذهب ضمن الاحتياطيات.

انعكاسات على المستثمرين والأسواق

بالنسبة للمستثمرين في أسواق السلع، تطرح البيانات الصينية سؤالاً حول حدود الهبوط الحالي في الذهب، خصوصاً إذا استمر الطلب الرسمي بالوتيرة نفسها. فالشراء المستمر من جهة سيادية كبيرة قد يحد من حدة التراجعات، حتى في ظل قوة الدولار أو تراجع الرهانات على خفض الفائدة قريباً.

وفي الوقت نفسه، فإن التراجع في القيمة الدولارية للاحتياطات رغم زيادة الكمية يذكّر بأن تقييم الذهب محكوم بالسعر الفوري في السوق أكثر من حجم الحيازة وحده. لذلك، فإن متابعة مشتريات البنوك المركزية أصبحت أداة مهمة لتحليل اتجاهات السوق، جنباً إلى جنب مع بيانات التضخم وحركة العائدات الأميركية وتطورات التوترات الجيوسياسية.

وتبقى الصين من أكثر الاقتصادات تأثيراً في أسواق المعادن والسلع، ليس فقط بسبب حجم احتياطاتها، بل أيضاً بحكم موقعها في التجارة العالمية. ومن ثم، فإن أي تغيير في وتيرة مشتريات الذهب لديها قد ينعكس على معنويات السوق الأوسع، خاصة إذا تزامن مع تحولات في السياسة النقدية أو ضغوط على العملات الرئيسية.

ما الذي يعنيه ذلك للمشهد المقبل؟

الأرجح أن استمرار بكين في شراء الذهب سيبقى عاملاً داعماً على المدى المتوسط، حتى لو استمر الضغط السعري في الأجل القصير. فالسوق لا يتعامل فقط مع العرض والطلب الفوريين، بل أيضاً مع إشارة سياسية واضحة إلى أن الأصول الآمنة ما زالت تحتل مكانة مركزية في إدارة الاحتياطيات.

وفي حال استمرت أسعار النفط في فرض ضغوط تضخمية، أو بقيت التوقعات بأن أسعار الفائدة ستظل مرتفعة لفترة أطول، فقد يظل الذهب عالقاً بين قوتين متعارضتين: طلب رسمي داعم من جهة، وضغوط مالية ونقدية من جهة أخرى. وبين هذين الاتجاهين، تواصل الصين تعزيز مخزونها من المعدن الأصفر باعتباره ركيزة دفاعية في بنية احتياطاتها الدولية.