الشركات الناشئة 18-Jun-2026 6 دقائق قراءة

الصحفيون السودانيون يغطون الحرب من المنفى وسط انهيار الوصول داخل البلاد

في ظل الحرب المستمرة في السودان وتراجع الوصول الميداني، اعتمد الصحفيون السودانيون على شبكات المنفى والتطبيقات المشفرة وصور الأقمار الصناعية للتحقق من الأحداث، بينما تحولت الاتصالات المدنية وشبكات الإغاثة المحلية إلى جزء أساسي من منظومة جمع الأخبار.

تواجه الصحافة السودانية واحدة من أصعب لحظاتها منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فمع اتساع رقعة القتال وتراجع القدرة على الحركة داخل المدن، لم يعد كثير من الصحفيين قادرين على الوصول المباشر إلى مواقع الأحداث، واضطروا إلى ابتكار طرق جديدة لتغطية الحرب من الخارج أو من مسافات شديدة الخطورة.

هذا التحول لا يتعلق فقط بالسلامة الشخصية، بل أيضاً بانهيار البنية الأساسية التي تعتمد عليها غرف الأخبار التقليدية. الكهرباء والإنترنت وشبكات الاتصالات والمصارف ووسائل النقل تعطلت في مناطق واسعة، ما جعل ممارسة العمل الصحفي أمراً أقرب إلى إدارة أزمة إنسانية يومية. ومع ذلك، استمرت محاولات التوثيق عبر قنوات بديلة تجمع بين المراسلين المحليين والمحررين في المنفى ومصادر مدنية تعمل تحت ضغط هائل.

حرب تُغلق الميدان أمام الصحفيين

منذ الأشهر الأولى للصراع، وجد صحفيون كثيرون أنفسهم عالقين في مناطق القتال أو مجبرين على الفرار. بعضهم لم يتمكن من العودة إلى الأحياء التي غادرها، وبعضهم الآخر واصل العمل من خارج البلاد بعد خروجهم إلى دول مجاورة مثل كينيا ومصر. وفي الداخل، أصبح التنقل بين المدن والولايات محفوفاً بالمخاطر بسبب الحواجز والاشتباكات والانقطاعات المتكررة للاتصالات.

النتيجة كانت تراجعاً كبيراً في القدرة على التغطية المباشرة. فبدلاً من الاعتماد على الزيارات الميدانية، بدأ الصحفيون السودانيون يعتمدون على روايات شهود العيان، ولقطات الهواتف المحمولة، والرسائل الصوتية، والمجموعات المغلقة على تطبيقات المراسلة. هذا النمط من العمل لم يعد مجرد حل مؤقت، بل أصبح الشكل السائد لإنتاج الأخبار في بيئة تنهار فيها أدوات الوصول التقليدية.

في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، أصبح الإنترنت متاحاً عبر أجهزة ستارلينك بعد انهيار شبكات الاتصالات التقليدية. ورغم أن هذا وفر متنفساً للمستخدمين والصحفيين، فإنه لم يلغِ المخاطر؛ إذ يضطر بعض المراسلين إلى الكتابة أو الإرسال وهم جالسون بالقرب من عناصر مسلحة، مع خشية دائمة من كشف هوياتهم أو رصد ما يظهر على شاشاتهم.

المنفى يتحول إلى غرفة أخبار

مع تضييق المساحة المتاحة داخل السودان، توسعت شبكات الإعلام التي تعمل من الخارج. بعض المؤسسات الصحفية السودانية نقلت جزءاً من عملياتها إلى المنفى، واعتمدت على مراسلين داخل البلاد يعملون بأسماء مستعارة لأسباب أمنية. هذا النمط سمح باستمرار تدفق الأخبار، لكنه رفع مستوى التعقيد التحريري، لأن التحقق من المعلومات بات يتطلب طبقات إضافية من التدقيق.

الصحفيون في المنفى لا يكتفون باستقبال التقارير الخام، بل يديرون سلسلة كاملة من التواصل والتحقق والتنسيق عبر تطبيقات مشفرة. وفي هذا السياق، أصبحت الهواتف المحمولة أداة تحرير أساسية، وأحياناً هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لتوثيق تحركات القوات أو الأضرار التي لحقت بالمدنيين أو تطور المعارك في الأحياء المحاصرة.

هذا التحول يوضح أن الصحافة السودانية لم تعد مجرد مهنة تعتمد على الوصول الجسدي، بل شبكة عمل مرنة تتأقلم مع شروط الحرب. إلا أن المرونة هنا لا تعني الأمان. فالمراسل الذي يعمل من غرفة صغيرة خارج السودان يظل معتمداً على أشخاص داخل مناطق القتال، وهؤلاء هم الأكثر تعرضاً للخطر في حال اكتشافهم.

منصات المراسلة تصبح جزءاً من البنية الإعلامية

أحد أبرز التحولات التي فرضتها الحرب هو انتقال جزء كبير من العمل الصحفي إلى منصات المراسلة الاجتماعية. فواتساب وتلغرام وسيغنال لم تعد مجرد تطبيقات للتواصل، بل صارت بمثابة بنية تحتية بديلة للأخبار. عبر هذه القنوات يجري تبادل الرسائل والصور والمقاطع القصيرة ومواقع الشهود، ثم يعاد فحصها ومقارنتها مع مصادر أخرى قبل النشر.

لكن هذه البيئة الرقمية نفسها أصبحت ساحة للمعلومات المضللة. فقد استخدمت أطراف النزاع وسائل التواصل الاجتماعي لنشر روايات متضاربة وصور معدلة ومحتوى دعائي. وهذا جعل التحقق من الأخبار أكثر تعقيداً، وأجبر الصحفيين على تطوير أساليب صارمة لمطابقة التوقيت الجغرافي ومصدر المادة البصرية وسياق الشهادة المحلية.

هنا ظهرت قيمة العمل التعاوني بين الصحفيين والمنظمات المدنية والمتطوعين المحليين. شبكات مثل غرف الاستجابة الطارئة، التي نشأت من لجان المقاومة والأطر المدنية خلال سنوات سابقة، لعبت دوراً حاسماً في الإغاثة وفي تزويد الصحفيين أيضاً بمعلومات أولية عن أوضاع السكان والتحركات الميدانية. ومع انهيار مؤسسات الدولة في مناطق كثيرة، تحولت هذه الشبكات إلى مصدر أساسي لفهم ما يحدث على الأرض.

التحقق عن بعد يفرض قواعد جديدة

مع تضاؤل الوصول المباشر، برزت الصحافة الاستقصائية عن بعد كأحد أهم الأساليب المستخدمة في توثيق الحرب. تعتمد هذه المقاربة على صور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات الوصفية، وعلى شهادات السكان والمواد المصورة من الهواتف المفتوحة المصدر. وقد ساعد هذا الأسلوب في كشف أنماط من الدمار والقتل لا يمكن رؤيتها من خلال التقارير المكتوبة فقط.

غير أن لهذه الأدوات حدوداً واضحة. فالصورة الفضائية قد تؤكد احتراق قرية أو تدمير حي كامل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تروي من نجا ومن اختفى ومن فرّ تحت النار. لذلك تبقى الشهادة البشرية ضرورية، حتى عندما تكون محفوفة بالمخاطر. في كثير من الحالات، يصبح الناجي نفسه مراسلاً بالصدفة، أو عاملاً إغاثياً يلتقط ما يراه، أو متطوعاً يرسل معلومات عبر مجموعة مغلقة.

هذا النموذج الجديد من التغطية أدى إلى إنتاج تقارير ذات تأثير دولي، لكنه كشف أيضاً هشاشة الصحافة عندما تُحرم من المكان. فكلما اتسعت الفجوة بين الحدث والمراسل، زادت الحاجة إلى التحقق المتعدد وإلى حماية المصادر، كما زادت احتمالات فقدان التفاصيل الإنسانية التي تمنح الخبر معناه الكامل.

المؤسسات الإعلامية تحت ضغط التمويل والخطر

لا تقتصر الأزمة على الوصول والاتصالات، بل تمتد إلى التمويل أيضاً. فالعديد من الشبكات الإعلامية السودانية تعمل بموارد محدودة للغاية، وبعضها فقد جزءاً كبيراً من ميزانيته بسبب تقلص الدعم الخارجي. هذا الانكماش أدى إلى تسريح صحفيين مستقلين وخفض القدرة على الإسناد اللوجستي والتدريب والدعم التقني.

في ظل هذه الظروف، يعتمد عدد كبير من المراسلين على العمل الحر، من دون عقود مستقرة أو حماية مؤسسية كافية. ويفرض ذلك على الصحفي أن يكون مراسلاً ومحرراً ومحققاً فنياً في الوقت نفسه، مع تحمل مسؤولية شخصية كبيرة في كل خطوة. أما الصحفيون الذين ما زالوا داخل السودان، فهم يواجهون معضلة مزدوجة: الاستمرار في العمل أو حماية أنفسهم ومن حولهم من الاستهداف.

تسليط الضوء على هذه البيئة المهنية مهم لفهم طبيعة الصحافة في مناطق النزاع الحديثة. فالمعركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل أيضاً على الرواية. ومن يملك القدرة على توثيق ما يحدث، أو منعه من الظهور، يملك جزءاً من السيطرة على الذاكرة العامة للحرب.

درس يتجاوز السودان

تكشف التجربة السودانية أن الصحافة في زمن الحروب لم تعد محصورة في المراسل الميداني الكلاسيكي. فقد أصبح العمل الصحفي يعتمد على شبكات لامركزية من المدنيين والمحررين والمحللين الرقميين، وعلى أدوات تحقق متقدمة، وعلى ثقة تبنى عبر سنوات من العلاقات المحلية. هذه المعادلة الجديدة قد لا تكون خياراً مثالياً، لكنها باتت الطريق الوحيد تقريباً لمواصلة تغطية النزاعات حين تغيب حرية الحركة ويُستهدف الإعلام نفسه.

وفي نهاية المطاف، فإن استمرار الصحفيين السودانيين في العمل، رغم النزوح والتهديد وانقطاع الاتصالات، يوضح أن الصحافة ليست مرتبطة بالموقع الجغرافي فقط، بل بقدرة العاملين فيها على إعادة بناء أدواتهم كل مرة ينهار فيها النظام المحيط بهم. إنها قصة مهنة تحاول البقاء في بلد تتنازع فيه الحرب والمعلومات والنجاة اليومية.