قطاع الضيافة البريطاني تحت ضغط غير مسبوق
تواجه الحانات والمطاعم في المملكة المتحدة مرحلة صعبة جديدة، بعدما أظهرت بيانات استطلاعية أن نسبة كبيرة من المنشآت تعمل بالفعل بخسارة. وتشير النتائج إلى أن نحو ربع شركات الضيافة تكافح للحفاظ على توازنها المالي، في وقت تتداخل فيه الضرائب المرتفعة مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتبدل سلوك المستهلكين.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تباطؤ موسمي، بل تعكس تراكماً في الضغوط التي أثرت على قدرة أصحاب الأعمال على تحقيق الربح أو حتى الحفاظ على الاستقرار النقدي. ومع استمرار تراجع الهوامش، أصبح الحديث يدور حول البقاء أكثر من التوسع.
23% من المنشآت تعمل بخسارة
وفقاً للبيانات التي جمعتها جهات تمثل قطاع الضيافة، فإن 23% من الحانات والمطاعم تعمل حالياً بخسارة، مقارنة بـ15% فقط قبل ثلاثة أشهر. وهذا التغير السريع يشير إلى أن الأوضاع تدهورت بوتيرة ملحوظة خلال فترة قصيرة.
كما أظهر الاستطلاع أن واحداً من كل ستة أعمال يعتقد أنه مهدد بالإفلاس خلال عام واحد، بينما وصف 5% من المشاركين أعمالهم بأنها غير قابلة للاستمرار مالياً. وتعد هذه النسب إشارة واضحة إلى هشاشة القطاع، خصوصاً لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك احتياطيات مالية كبيرة.
وتأتي هذه المؤشرات في سياق أوسع يشهد إغلاقات متكررة، إذ تشير التقديرات إلى إغلاق حانتين تقريباً يومياً منذ بداية عام 2026. ويعكس ذلك حجم الضغط على نموذج التشغيل التقليدي للحانات والمطاعم، خاصة في ظل ارتفاع النفقات الثابتة.
الضرائب والطاقة والأجور تلتهم الهوامش
يرى أصحاب المطاعم والحانات أن ضريبة القيمة المضافة تمثل أحد أكبر عوامل الضغط، إذ يدفع كثيرون باتجاه خفضها من 20% إلى 10% بهدف منح القطاع مساحة أكبر لالتقاط الأنفاس. ويستند هذا الطرح إلى فكرة أن بريطانيا باتت أقل تنافسية من بعض الأسواق الأوروبية التي تطبق معدلات أقل على الخدمات الغذائية والضيافة.
لكن الضريبة ليست المشكلة الوحيدة. فارتفاع مساهمات التأمين الوطني، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وفواتير الطاقة المرتفعة، كلها عوامل تضيف طبقات جديدة من التكلفة. ومع كل زيادة في أي بند من هذه البنود، تتآكل القدرة على تحويل الإيرادات إلى أرباح فعلية.
بالنسبة لكثير من المشغلين، أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً: الأسعار لا يمكن رفعها بلا حدود خشية فقدان العملاء، بينما خفض التكاليف ليس سهلاً في بيئة تعتمد على العمالة والموقع والطاقة بشكل يومي. لذلك تبدو بعض المنشآت عالقة بين ضغوط السوق ومتطلبات البقاء.
مطالب بخفض ضريبة القيمة المضافة
تصاعدت الدعوات إلى تدخل حكومي يخفف العبء الضريبي عن القطاع، مع حملة جديدة يقودها أحد الطهاة وأصحاب الحانات البارزين للمطالبة بتثبيت معدل 10% للضريبة على أنشطة الضيافة. وقد حصلت هذه الحملة على دعم واسع من منظمات تجارية تمثل الحانات والمطاعم والفنادق.
ويستند أنصار الخفض إلى أن المعدل الحالي في بريطانيا، البالغ 20%، يضع القطاع في موقف أصعب مقارنة بعدد من الدول الأوروبية التي تعتمد نسبة أقل. كما يجادلون بأن أي تخفيف ضريبي قد يساعد على حماية الوظائف ومنع مزيد من الإغلاقات، حتى لو كان ذلك يعني تكلفة كبيرة على الخزانة العامة.
في المقابل، لا يبدو أن خيار الخفض الشامل قد حسم سياسياً بعد. فالسلطات المالية ما زالت متحفظة على منح تخفيض خاص لقطاع بعينه، ما يجعل الرهان على تغيير السياسات مساراً غير مضمون في المدى القريب.
ما الذي يمكن للمنشآت فعله الآن؟
رغم صعوبة المشهد، هناك خطوات عملية يمكن أن تساعد الشركات على تقليص النزيف المالي. أول هذه الخطوات يتعلق بالطاقة، باعتبارها من أكبر النفقات القابلة للإدارة. ويمكن أن يساهم التحول إلى الإضاءة الموفرة، واستخدام منظمات الحرارة الذكية، ومراجعة أنماط الاستهلاك في تخفيض الفواتير بشكل ملموس.
كما يمكن لأصحاب الأعمال إعادة تنظيم جداول الموظفين بناءً على حركة الزبائن الفعلية، بدلاً من الاعتماد على مستويات ثابتة قد تؤدي إلى زيادة العمالة في الفترات الهادئة. ويساعد التدريب المتعدد للموظفين على تغطية أكثر من مهمة واحدة، وهو ما يحد من الاعتماد على العمالة المؤقتة أو الوكالات الخارجية.
أما على مستوى القائمة والأسعار، فهناك فرصة لتحسين الأداء عبر ما يعرف بإدارة قائمة الطعام. ويشمل ذلك إزالة الأصناف منخفضة الربحية، والتفاوض من جديد مع الموردين، وتقليل الفاقد، وضبط الحصص بدقة أكبر. هذه الخطوات لا تعالج الأزمة بالكامل، لكنها قد تحسن الهامش التشغيلي بشكل تدريجي.
القطاع يحتاج إلى وقت وخيارات أكثر من الوعود
المشكلة الأساسية في قطاع الضيافة اليوم ليست في غياب الأفكار، بل في ضيق الوقت. فالكثير من المنشآت لا تملك رفاهية انتظار إصلاحات سياسية قد لا تأتي قريباً، في حين تضغط التزامات الإيجار والرواتب والفواتير بصورة يومية.
لهذا تبدو الأولوية حالياً لإدارة السيولة وتقليل التكلفة حيثما أمكن، إلى جانب الضغط المنظم من أجل تغيير السياسات الضريبية. وبين الحلول القصيرة الأجل والإصلاحات الهيكلية، يبقى السؤال الأهم: كم من الشركات تستطيع الصمود حتى يصل أي دعم فعلي؟
ما تكشفه البيانات ببساطة هو أن قطاع الحانات والمطاعم في بريطانيا لا يمر بتباطؤ عابر، بل بأزمة مركبة تجمع بين الضرائب والتكاليف والطاقة والعمالة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على التكيف عاملاً حاسماً أكثر من أي وقت مضى.