في الوقت الذي يواصل فيه قطاع الحانات في بريطانيا مواجهة ضغوط مالية حادة، تظهر ويلز كاستثناء محدود لكنه لافت. فمنذ بداية العام، أُضيفت ثلاثة أماكن جديدة إلى خريطة الحانات في البلاد، في مقابل موجة إغلاقات واسعة تضرب أجزاء أخرى من المملكة المتحدة.
هذا التباين جعل النمو في ويلز يوصف بأنه بارقة أمل لقطاع الضيافة، خصوصاً مع استمرار المؤشرات السلبية على مستوى المملكة المتحدة ككل. فبحسب بيانات القطاع، تُغلق حانتان تقريباً كل يوم في بريطانيا، كما أن نحو ربع شركات الضيافة تعمل بخسائر وسط ارتفاع كلفة التشغيل وتراجع هوامش الربح.
لكن ما يميز التجربة الويلزية لا يتعلق فقط بعدد الافتتاحات، بل بالطريقة التي تُدار بها هذه المشاريع الجديدة. أصحاب هذه الحانات لا يراهنون على النموذج التقليدي القائم على المشروبات وحدها، بل على إعادة تعريف تجربة الزبون لتصبح أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على جذب شرائح مختلفة من الجمهور.
الخروج من القالب التقليدي أصبح جزءاً من الاستراتيجية
أحد أبرز التغييرات التي تفسر نجاح بعض الحانات الجديدة في ويلز هو الابتعاد عن صورة الحانة القديمة التي تعتمد أساساً على بيع المشروبات الكحولية في أجواء مخصصة للليل فقط. بدلاً من ذلك، يتم دمج عناصر إضافية مثل الطعام، والأنشطة العائلية، والفعاليات الاجتماعية، وحتى التصميم الداخلي الذي يناسب المشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا التحول يعكس تغيراً أوسع في سلوك المستهلكين، خاصة بين الأجيال الأصغر سناً. فزيارة الحانة لم تعد تجربة مرتبطة بالشرب فقط، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين مناسبة اجتماعية وتجربة مكانية أيضاً. لذلك، أصبحت الهوية البصرية، وجودة الطعام، والقدرة على توفير بيئة مرحبة للعائلات عوامل مؤثرة في قرار الزيارة.
في هذا السياق، يرى بعض أصحاب الحانات في ويلز أن المرونة في نموذج العمل هي ما سمح لهم بالتحرك عكس الاتجاه السائد. فبدلاً من منافسة الحانات الأخرى على المشروب الأرخص أو الأكثر شعبية، يسعون إلى بناء عرض أكثر تميّزاً يرتبط بالمكان والمجتمع المحلي.
حانات جديدة تراهن على الطعام والجو الاجتماعي
من بين الأمثلة البارزة حانة افتُتحت في ريل بمقاطعة دنبيشير، حيث تولت إدارتها صاحبتها في مايو بعد إعادة توظيف موقع كان يعمل بنمط ليلي تقليدي. التجربة الجديدة لم تكتفِ بتقديم المشروبات، بل أضافت حفلات شواء وأطعمة مجانية وأنشطة ترفيهية، في محاولة لخلق مقصد عائلي واجتماعي يمكن أن يجذب الزبائن في أوقات مختلفة من اليوم.
هذا النموذج يوضح كيف يمكن لمشروع صغير في قطاع الضيافة أن يعيد ضبط أولوياته عندما تتغير السوق. فبدلاً من الاعتماد على الحركة الليلية فقط، يصبح التركيز على التنوع في مصادر الدخل وعلى بناء علاقة أطول مع الزبائن.
وفي كارديف، ظهرت تجربة أخرى تعتمد على منطق مشابه ولكن بصيغة أكثر فخامة نسبياً. هناك، افتتح مالكان مشروعاً جديداً يجمع بين البيرة الحرفية وقائمة طعام تضم أطباقاً صغيرة ومقبلات أكثر تطوراً من الوجبات التقليدية المرتبطة بالحانات. ويأتي ذلك في سياق الاستفادة من مشروع مطعمي قائم بالفعل في الجهة المقابلة من الشارع، بدل الدخول في منافسة مباشرة معه.
هذا النوع من التفكير يكشف أن النجاح في قطاع الضيافة لم يعد قائماً فقط على الموقع أو أسعار المشروبات، بل على القدرة على إيجاد زاوية مختلفة تتيح للمشروع الجديد أن يضيف قيمة بدلاً من تكرار الموجود.
الضغوط المالية ما تزال تهدد القطاع الأوسع
رغم هذه النجاحات الفردية، لا تبدو الصورة العامة مطمئنة. فالإغلاق ما يزال يتفوق على الافتتاح في أجزاء واسعة من بريطانيا، والسبب لا يقتصر على ضعف الطلب، بل يشمل سلسلة من التكاليف المرتفعة التي تضرب المشغلين من أكثر من جهة.
تتقدم كلفة الطاقة والضرائب والرسوم التنظيمية إلى واجهة الأزمة، بينما تبقى أسعار الأعمال من أكثر الملفات حساسية. وقد أدى إنهاء تخفيف ضريبي كان يدعم العديد من الحانات خلال الفترة السابقة إلى زيادة الضغط على المؤسسات الصغيرة، في وقت جرى فيه تحديث آليات إعادة التقييم بما رفع الفاتورة على عدد من المشغلين.
وبالنسبة لكثير من أصحاب الأعمال، فإن هذه التحولات لا تترك مجالاً واسعاً للمناورة. فحتى الحانات الجيدة الأداء قد تجد نفسها تحت ضغط إذا لم تكن لديها هوامش مالية كافية، أو إذا لم تنجح في توسيع مصادر الإيرادات خارج نموذج المشروبات التقليدي.
هل يكفي الابتكار المحلي لإنقاذ الحانات؟
السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بما يحدث في ويلز، بل بما إذا كانت هذه النماذج الفردية قادرة فعلاً على إحداث تغيير أوسع في الصناعة. فافتتاح ثلاثة أماكن جديدة خلال أشهر لا يكفي وحده لتعويض موجة الإغلاقات المتسارعة على مستوى البلاد.
مع ذلك، تشير التجربة إلى أن التكيف المحلي قد يكون جزءاً أساسياً من الحل. فالحانة التي تفهم جمهورها، وتعيد بناء عرضها بما يتناسب مع سلوك الزبائن الجدد، وتخلق تجربة أكثر شمولاً، تمتلك فرصة أفضل للبقاء حتى في سوق شديدة الصعوبة.
كما أن النقاش حول مستقبل القطاع لم يعد محصوراً في خفض الضرائب أو تعديل اللوائح فقط. بعض الأصوات داخل الصناعة ترى أن الحل يبدأ من داخل الحانة نفسها، أي من جودة الخدمة، وتنوع العرض، وقدرة المشروع على أن يصبح جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع المحلي.
وفي المقابل، يعتقد آخرون أن أي تحسن حقيقي يحتاج أيضاً إلى إصلاحات هيكلية تشمل العبء الضريبي وتكاليف التشغيل. لكن حتى لو تحققت هذه التغييرات، فإنها قد لا تكون كافية ما لم يواكبها تطور في طريقة تشغيل الحانات نفسها.
ما تكشفه ويلز اليوم هو أن قطاع الضيافة لا يزال قادراً على إنتاج قصص نمو، لكن هذه القصص ترتبط غالباً بالمرونة والابتكار أكثر من ارتباطها بالاعتماد على النمط القديم. وفي سوق تتغير فيه توقعات العملاء بسرعة، قد تكون القدرة على التكيّف هي الميزة التنافسية الأهم.