أعلنت شركة Paradigm الأمريكية للاستثمار الجريء عن إغلاق صندوق جديد بحجم 1.2 مليار دولار، في خطوة تعزز توجهها نحو تمويل الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الناشئة، بعيداً عن التركيز شبه الحصري الذي عُرفت به خلال سنواتها الأولى في قطاع العملات المشفرة.
ويمثل هذا التحول واحدة من أوضح الإشارات على إعادة تموضع بعض الصناديق الاستثمارية الكبرى في سوق رأس المال الجريء، بعد تغيرات حادة في شهية المستثمرين ومستويات المخاطرة، وخصوصاً مع تباطؤ أسواق الأصول الرقمية وارتفاع تكاليف التمويل عالمياً.
من الكريبتو إلى موجة الذكاء الاصطناعي
تأسست Paradigm عام 2018 بوصفها مستثمراً متخصصاً في الشركات المرتبطة بالعملات المشفرة وتقنيات البلوك تشين. لكن الشركة بدأت تقلص اعتمادها على هذا القطاع مع تراجع الزخم في الأسواق الرقمية، وانخفاض سعر البيتكوين بنحو 30% خلال العام الحالي، بالتزامن مع ضغط أسعار الفائدة المرتفعة على الأصول عالية المخاطر.
في المقابل، أصبح الذكاء الاصطناعي الوجهة الأكثر جذباً لرؤوس الأموال الجريئة. ووفق بيانات Crunchbase، استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة على نحو 70% من إجمالي الاستثمارات الجريئة العالمية في الربع الثاني من العام، ما يعكس حجم التحول الذي يشهده السوق.
هذا المشهد يفسر، جزئياً، توجه Paradigm إلى توسيع نطاق أعمالها الاستثمارية. فالشركة لم تعد تتعامل مع الكريبتو بوصفه المحور الوحيد، بل كأحد المسارات ضمن استراتيجية أوسع تبحث عن التقنيات القادرة على إعادة تشكيل الأسواق خلال العقد المقبل.
رهانات على الشركات الأكثر نموّاً
بحسب المعلومات المتاحة، لا تزال Paradigm تحتفظ بحضور في قطاع العملات المشفرة، لكنها في الوقت نفسه توسع محفظتها نحو شركات تعمل في مجالات أكثر تنوعاً، من بينها الشركات التي تطور حلولاً للروبوتات والتوصيل الذاتي والدفاع الفضائي.
ومن بين أبرز الأسماء التي دعمتها الشركة: شركة Zipline، المتخصصة في التوصيل الذاتي، والتي بلغت قيمتها السوقية 7.6 مليار دولار، وشركة True Anomaly العاملة في تقنيات الدفاع الفضائي، والتي وصلت قيمتها إلى 2.2 مليار دولار.
هذا النوع من الصفقات يشير إلى استراتيجية واضحة: الدخول المبكر إلى الشركات التي تملك بنية تقنية قوية وقابلية للتوسع السريع، خصوصاً في القطاعات التي يرتبط نموها بالتحول في سلاسل الإمداد، والأتمتة، وتطبيقات الدفاع والتقنيات المتقدمة.
استراتيجية تتجاوز الاستثمار التقليدي
قال مات هوانغ، الشريك الإداري والمؤسس المشارك للشركة، إن Paradigm لم تُبنَ أساساً على فكرة الاستثمار في العملات المشفرة فقط، بل على رصد التحولات التقنية الكبرى فور ظهورها، مشيراً إلى أن موجة الذكاء الاصطناعي تمثل اليوم التحول الأبرز في السوق.
وتعكس هذه الرؤية انتقالاً من الاستثمار في فئة أصول محددة إلى الاستثمار في البنية التحتية للتقنية نفسها. فبدلاً من التركيز على شركة أو بروتوكول واحد، يبدو أن Paradigm تراهن على طبقات أوسع تشمل الأدوات البرمجية، والأتمتة، والأنظمة الذكية، ومنصات البنية التحتية التي يمكن أن تخدم أكثر من قطاع.
كما تطور الشركة مشاريع داخلية في مجالات تقنية متقدمة، من بينها منصة لأسواق التوقعات بالشراكة مع OpenAI، إلى جانب أدوات دفع تعتمد على البلوك تشين بالتعاون مع Stripe. وتمنح هذه المشاريع الشركة موقعاً يجمع بين الاستثمار المباشر وتطوير حلول تقنية يمكن أن تخلق فرصاً جديدة داخل السوق.
أصول تحت الإدارة ونشاط في صفقات كبرى
تشير بيانات Paradigm إلى أن أصولها تحت الإدارة بلغت 11.9 مليار دولار بنهاية 2025، من دون احتساب التمويلات الأخيرة. ويعكس هذا الرقم توسع الشركة كمؤسسة استثمارية مؤثرة قادرة على تمويل شركات في مراحل مختلفة، من النمو المبكر إلى الجولات الكبيرة.
كما كانت من بين أوائل المستثمرين في شركة Kalshi، منصة أسواق التوقعات التي وصلت قيمتها السوقية إلى 22 مليار دولار في مارس الماضي. ويعزز ذلك صورة Paradigm بوصفها صندوقاً يميل إلى اكتشاف الفرص قبل أن تتحول إلى قصص نمو كبيرة في السوق.
ومع دخول صندوق 1.2 مليار دولار إلى الخدمة، تبدو الشركة في موقع يسمح لها بملاحقة موجات الاستثمار الأكثر سخونة، خاصة في الذكاء الاصطناعي، حيث تتسارع المنافسة بين الصناديق الكبرى على اقتناص حصص مبكرة في الشركات الواعدة.
ماذا يعني ذلك لمشهد الشركات الناشئة؟
تحرك Paradigm لا يقتصر على تبديل قطاع بآخر، بل يكشف عن اتجاه أوسع داخل الاستثمار الجريء: الصناديق التي بنت سمعتها في سوق معين تبحث اليوم عن فرص في السوق الأكثر نمواً، وهو الذكاء الاصطناعي، من دون التخلي تماماً عن استثماراتها القديمة.
بالنسبة للشركات الناشئة، يعني ذلك أن المنافسة على التمويل أصبحت أكثر ارتباطاً بقدرة المؤسس على بناء منتج قابل للتوسع السريع، مع عناصر تقنية واضحة ومسار واقعي لتحقيق الإيرادات. أما بالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأهم هي أن موجة الذكاء الاصطناعي لا تزال تجذب السيولة المؤسسية الكبرى، حتى من الصناديق التي جاءت أصلاً من عالم العملات المشفرة.
وبينما يستمر التذبذب في أسواق الأصول الرقمية، تبدو Paradigm مثالاً على صندوق يختار التكيف مع دورة السوق بدلاً من البقاء أسيراً لها، عبر إعادة توزيع رأس المال نحو القطاعات التي يُتوقع أن تقود الجيل التالي من الشركات الناشئة.