أعلنت شركة عزم السعودية للاتصالات وتقنية المعلومات عن إدخال منظومة جديدة من موظفي الذكاء الاصطناعي إلى عملياتها اليومية، في خطوة تعكس اتجاهاً متسارعاً لدى الشركات التقنية نحو تحويل أدوات الذكاء الاصطناعي من مجرد مساعدات رقمية إلى عناصر تشغيلية لها مهام واضحة ومقاييس أداء محددة.
وتقوم المنظومة على خمسة أدوار وظيفية تغطي أجزاء أساسية من دورة العمل داخل الشركة، من تحليل المتطلبات ومراقبة الجودة إلى استقطاب المواهب ودعم القرار التنفيذي وخدمات تقنية المعلومات. وتهدف هذه المقاربة إلى رفع الكفاءة التشغيلية، وتسريع الإنجاز، وتحسين جودة المخرجات في بيئة عمل تعتمد بدرجة أكبر على الأتمتة الذكية.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى جزء من التشغيل اليومي
ترتكز التجربة الجديدة على دمج الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل المؤسسية بطريقة تتجاوز الاستخدامات الفردية المحدودة، إذ صُممت المنظومة لتعمل جنباً إلى جنب مع الموظفين عبر القنوات الداخلية والبريد الإلكتروني، وفق آليات تشغيل معتمدة داخل الشركة.
وتعتمد عزم السعودية على بنية تحتية مملوكة لها بالكامل، مع الإبقاء على البيانات والمشاريع والنماذج داخل أنظمتها الخاصة، في إطار يهدف إلى تعزيز الحوكمة وحماية المعلومات الحساسة. هذا التوجه يوضح أن الشركة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة خارجية فقط، بل كجزء من منظومة تشغيلية محكومة بمعايير أمنية وتنظيمية.
وبحسب ما أعلنت الشركة، فإن هذه النماذج الذكية لم تُصمم لأداء مهام عامة، بل أُعدت لامتلاك مسؤوليات محددة وقابلة للقياس، بما يسمح بمتابعة أثرها على الإنتاجية وجودة الخدمة والزمن اللازم لإنجاز الأعمال.
خمسة أدوار وظيفية تغطي دورة العمل
تضم المنظومة خمسة موظفين بالذكاء الاصطناعي، لكل منهم نطاق واضح من المهام. هذا التقسيم ينسجم مع أسلوب الشركات الناشئة والتقنية التي تبحث عن حلول مرنة تقلل الاعتماد على الإجراءات اليدوية وتزيد سرعة الاستجابة داخل الفرق.
الأول هو موظف مراقبة الجودة وضمانها، وتتمثل مهمته في متابعة دورة تطوير المشاريع التقنية داخل أربعة مراكز تطوير، ورصد سير العمل بشكل مستمر، والتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها. كما يتولى مراجعة تذاكر العمل وتحليل البرمجة وإعداد تقارير عن أداء الموظفين والتكاليف المرتبطة بكل نشاط.
الثاني هو موظف استقطاب المواهب، وهو مصمم لدعم فرق الموارد البشرية في عمليات البحث عن الكفاءات، والفرز الأولي للسير الذاتية، والتواصل مع المرشحين، وتنسيق المقابلات، إلى جانب إدارة استقطاب البرنامج التدريبي والمتابعة مع المرشحين المقترحين.
الثالث يتمثل في موظف تحليل الأعمال، ومهمته تحويل متطلبات العملاء إلى وثائق تقنية قابلة للتنفيذ. ويشمل ذلك صياغة قصص المستخدم، وإعداد وثائق تحليل الفجوات، وتقييم أعمال فريق التحليل، وهو ما يختصر وقتاً كبيراً بين استلام المتطلب وتحويله إلى مسار تنفيذي.
دعم القرار التنفيذي وتسريع الوصول إلى البيانات
إلى جانب الأدوار التشغيلية، تضم المنظومة مساعداً للرئيس التنفيذي يعمل على استخراج التقارير من الأنظمة المختلفة داخل الشركة وتقديمها في صيغ مختصرة وواضحة للإدارة العليا. وتكمن قيمة هذا الدور في تقليص الوقت المستغرق للوصول إلى البيانات المهمة، خصوصاً في بيئات الأعمال التي تتطلب قرارات سريعة مبنية على معلومات محدثة.
ويقوم هذا الموظف الذكي بإعداد تقارير تشغيلية أسبوعية، ولوحات أداء المشاريع، وتقارير الموارد البشرية والمالية، إضافة إلى الملخصات التنفيذية عند الطلب. وبهذا الشكل تتحول عملية جمع المعلومات من مهمة يدوية طويلة إلى خدمة مؤتمتة تساعد الإدارة على التركيز على القرار بدلاً من البحث عن البيانات.
أما الدور الخامس فهو موظف خدمات تقنية المعلومات والمرافق، ويتولى استقبال طلبات الدعم الفني من الموظفين والعملاء عبر قنوات التواصل المختلفة، ثم تصنيفها حسب الأولوية والنوع، ومعالجة الطلبات المتكررة، وإنشاء التذاكر ومتابعتها حتى الإغلاق.
وفي الحالات المعقدة، يحيل الموظف الذكي الطلب إلى المختص المناسب مع تزويده بالسياق الكامل، ما يرفع جودة الاستجابة ويقلل فقدان المعلومات بين مراحل التحويل والمتابعة. هذا النوع من الأتمتة يعد من أكثر الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي في الشركات التقنية والخدمية.
أثر مباشر على الإنتاجية وجودة الخدمات
أفادت عزم السعودية بأن تطبيق المنظومة أسهم في تقليص الوقت الذي يقضيه الموظفون في الأعمال الدورية بنسبة تتجاوز 30%. وتشير هذه النسبة إلى أن الأثر لا يقتصر على تحسين تجربة المستخدم الداخلي، بل يمتد أيضاً إلى رفع كفاءة الفرق وتقليل الوقت المهدور في المهام المتكررة.
كما قالت الشركة إن المنظومة ساعدت على تحسين جودة تنفيذ الخدمات وتسريع تطوير الأنظمة المعقدة، وهو ما يعزز فكرة أن الذكاء الاصطناعي في الشركات الناشئة والمؤسسات التقنية لم يعد مرتبطاً فقط بإنتاج النصوص أو الإجابة عن الأسئلة، بل أصبح أداة لإدارة العمليات وتسريعها وتحسين موثوقيتها.
وتعكس هذه النتائج اتجاهاً واضحاً نحو توزيع العمل بين الإنسان والآلة بطريقة تكاملية؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية المهام المتكررة والتحليلية، بينما يركز الموظفون على الجوانب التي تتطلب حكماً بشرياً أو تفاعلاً مباشراً مع العملاء والفرق الداخلية.
منظومة تتماشى مع التحول السعودي في الذكاء الاصطناعي
تأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع يشهد توسعاً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المملكة، سواء في الشركات التقنية أو في الجهات التي تبحث عن رفع كفاءة التشغيل وتقليل الاعتماد على الإجراءات اليدوية. وتنسجم التجربة مع التوجه الوطني المتسارع نحو تبني الذكاء الاصطناعي كجزء من البنية الاقتصادية والرقمية.
وترى الشركة أن إدخال هذه المنظومة ينسجم كذلك مع التحولات العالمية التي تدفع نحو دمج الذكاء الاصطناعي في بيئات الأعمال باعتباره قدرة تشغيلية مستمرة، لا مجرد أداة مساندة. ويبدو أن المقصود هنا هو بناء نموذج قابل للتوسع يمكن توظيفه في مجالات أخرى داخل الشركة مستقبلاً.
كما تؤكد عزم السعودية أن مسارها في هذا المجال يرتبط بتطوير منصات رقمية وحلول تقنية تخدم القطاعين الحكومي والخاص، مع الاستمرار في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء وتحقيق أثر ملموس في العمليات اليومية. وفي هذا السياق، تمثل المنظومة الجديدة اختباراً عملياً لكيفية تحويل الذكاء الاصطناعي إلى جزء من البنية التنظيمية داخل الشركات الناشئة والتقنية في المنطقة.
ومع اتساع الاهتمام المؤسسي بهذه التطبيقات، تبدو التجربة مثالاً على مرحلة جديدة في العمل الرقمي، حيث لا يقتصر الابتكار على تطوير المنتجات الخارجية، بل يمتد إلى داخل الشركة نفسها، ليشمل آليات التوظيف، والتحليل، والمتابعة، وخدمات الدعم، واتخاذ القرار.