تقرير جديد يسلط الضوء على فجوة في قيمة الذكاء الاصطناعي
أظهر تقرير حديث صادر عن شركة Boston Consulting Group أن الذكاء الاصطناعي بات يمنح كثيراً من الموظفين وقتاً إضافياً ملموساً خلال الأسبوع، لكن هذا المكسب لا يتحول تلقائياً إلى قيمة أعمال قابلة للقياس. فالنتيجة الأساسية التي يبرزها التقرير ليست فقط ارتفاع الإنتاجية، بل أيضاً صعوبة المؤسسات في توجيه الساعات التي يتم توفيرها نحو أعمال أكثر استراتيجية.
وبحسب الدراسة السنوية الرابعة للشركة عن الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإن 42% من العاملين في الخطوط الأمامية الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام يقولون إنهم يوفرون أكثر من يوم عمل كامل كل أسبوع. ومع ذلك، فإن 66% منهم لا يحصلون على أي إرشادات واضحة بشأن ما ينبغي فعله بهذا الوقت، بينما لا يعيد أكثر من النصف توجيهه إلى مهام ذات أهمية أكبر.
هذه النتيجة تعكس، وفق التقرير، مرحلة انتقالية تمر بها الشركات: فقد نجحت في توزيع الأدوات على الموظفين، لكنها لم تعيد بعد تصميم طريقة العمل نفسها كي تلتقط العائد الحقيقي من هذه الأدوات.
الأدوات وصلت أسرع من إعادة تصميم العمل
يرى معدو التقرير أن كثيراً من المؤسسات تعاملت مع الذكاء الاصطناعي بوصفه إضافة تقنية إلى سير العمل القائم، بدل اعتباره فرصة لإعادة بناء العمل من الأساس. وهذا الفارق مهم، لأن توفير الوقت لا يساوي تلقائياً تحسيناً في النتائج ما لم تكن هناك رؤية واضحة حول المكان الذي يجب أن يذهب إليه هذا الوقت.
ويشير التقرير إلى أن الشركات ركزت في البداية على تمكين الموظفين من الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وعلى نطاق واسع، لكن هذه الخطوة لم تكن كافية وحدها. فالعائد الحقيقي، بحسب الدراسة، يظهر عندما تعيد الإدارة تعريف الأولويات، وتحدد إن كان الوقت الموفر سيُستخدم في خدمة العملاء، أو تحسين الجودة، أو الابتكار، أو التسريع التنفيذي.
من دون هذا التوجيه، قد يتبدد جزء كبير من الفائدة داخل المؤسسة نفسها، لأن الموظف الذي ينجز المهمة أسرع لا يعرف بالضرورة ما هي المهمة التالية الأكثر قيمة.
الذكاء الاصطناعي يتحول من أداة فردية إلى تغيير جماعي
توضح BCG أن المرحلة الأولى من استخدام الذكاء الاصطناعي ركزت على الإنتاجية الفردية، أي مساعدة الموظف على إنجاز مهامه اليومية بسرعة أكبر. أما المرحلة المقبلة، فستتعلق بإعادة تشكيل العمل الجماعي نفسه، بما في ذلك الأدوار والعمليات وآليات التنسيق بين الفرق.
ويخلص التقرير إلى أن النقاش لم يعد محصوراً في فكرة استبدال الوظائف، بل أصبح أقرب إلى إعادة تحديد القيمة البشرية داخل المؤسسة. فمع نمو قدرات النماذج والأنظمة الذكية، تتغير طبيعة المهام التي يُتوقع من البشر القيام بها، من الإنتاج الأساسي إلى المراجعة والحكم وتحسين الجودة واتخاذ القرار.
هذا التحول يفرض على الشركات أن تفكر في الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره بديلاً عن العمل البشري، بل كمحرك يعيد توزيع الأدوار داخل العمل نفسه. وكلما تقدمت الأتمتة، زادت الحاجة إلى وضوح أكبر بشأن ما يجب أن يظل بيد الإنسان، وما الذي يمكن تفويضه إلى الآلة.
المديرون أمام مسؤولية إعادة توجيه المكاسب
أحد أبرز ما يطرحه التقرير هو أن إدارة الذكاء الاصطناعي لم تعد مسألة تقنية فقط، بل أصبحت مسألة قيادية وتنظيمية. فالشركات التي تكتفي بقياس عدد المستخدمين أو حجم التبني أو الساعات الموفرة، قد تفقد الجزء الأهم من الصورة: هل يُعاد استثمار هذا الوقت في عمل أفضل؟
ويؤكد التقرير أن القيادة تحتاج إلى تغيير ما يُقاس داخل المؤسسة. بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات الاستخدام، يجب تحديد أين يجب أن يذهب الوقت الذي وفرته الأدوات، ثم متابعة ما إذا كان يُستثمر فعلاً في المهام ذات الأولوية. كما ينبغي أن يحصل المدراء على توجيه عملي يساعدهم على دعم فرقهم في هذا الانتقال.
ويرى التقرير أن هذا التحول يجعل من الذكاء الاصطناعي تحدياً إدارياً بامتياز، وليس مجرد عملية نشر لتكنولوجيا جديدة. فكل مؤسسة تستطيع شراء الأدوات، لكن القليل فقط ينجح في تحويلها إلى قيمة تشغيلية مستمرة.
وكلاء الذكاء الاصطناعي يوسعون أثر التغيير
التقرير يشير أيضاً إلى توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل. فقد قال 30% من المشاركين إن هذه الوكلاء باتت مدمجة بالفعل في سير العمل، وهي نسبة تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي عندما كانت عند 13% فقط.
كما ارتفعت وتيرة الاستخدام على مستوى الموظفين الميدانيين، إذ قال 74% منهم إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً أو عدة مرات في الأسبوع، بزيادة 23 نقطة مئوية عن العام السابق. والأكثر لفتاً هو أن ستة من كل عشرة يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن خلال ثلاث سنوات من إنجاز ما لا يقل عن نصف وظائفهم.
هذه الأرقام تعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة محدودة في أقسام الابتكار، بل أصبح جزءاً من العمل اليومي في قطاعات متعددة تشمل الخدمات المالية والرعاية الصحية وغيرها.
الشفافية الإدارية ما زالت ضعيفة
رغم هذا الانتشار، تكشف الدراسة عن فجوة واضحة في التواصل الداخلي. فثلث الموظفين فقط تقريباً يقولون إن رسائل القيادة بشأن الذكاء الاصطناعي واضحة، بينما يرى 28% فقط أن هناك ترابطاً قوياً بين ما تقوله الإدارة وما تفعله المؤسسة فعلياً.
وتعتبر BCG أن هذه الفجوة في التواصل تؤثر مباشرة في القدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. فالناس لا يمانعون زيادة الاعتماد على الأدوات الذكية، لكنهم يحتاجون إلى فهم الغاية من هذا التحول، وإلى معرفة كيف ستتغير مهامهم، وما الذي تتوقعه المؤسسة منهم بعد الأتمتة.
ومن دون هذا الوضوح، قد يظل الذكاء الاصطناعي مقترناً بالحيرة بدلاً من التحسين، خصوصاً عندما يشعر الموظفون بأن التوجيه غائب وأن المعيار الجديد للأداء لم يُشرح لهم بشكل كافٍ.
ارتفاع سقف الأداء يزيد الضغط على الموظفين
يشير التقرير إلى أن 60% من المشاركين يعتقدون أن معيار ما يُعتبر عملاً جيداً بما فيه الكفاية أصبح أعلى مما كان عليه من قبل. والسبب، بحسب BCG، أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد تكتفي بتسريع الإنجاز، بل رفعت مستوى ما يُنتظر من الموظف بعد اكتمال المسودة الأولى أو التحليل الأولي أو الأتمتة الروتينية.
فإذا كانت الأداة قادرة على إنشاء مسودة أولية أو تلخيص البحث أو اقتراح بدائل أو تنفيذ المهام المتكررة، يصبح المطلوب من الإنسان هو المراجعة والتحقق والتحسين وإضافة السياق. وهذا يرفع قيمة الحكم البشري، لكنه يرفع أيضاً مستوى العبء الذهني.
وتحذر BCG من أن هذا التحول قد يزيد الإرهاق المعرفي لدى الموظفين، خاصة في فرق التقنية التي تعد من أكثر مستخدمي الذكاء الاصطناعي كثافة. فهذه الفرق لا تدير فقط الأدوات الجديدة، بل تراجع مخرجاتها وتواكب تغيرها السريع، وهو ما قد يضيف ضغطاً مستمراً على الانتباه والتركيز.
الرسالة الأساسية: القيمة تأتي من إعادة تصميم العمل
الخلاصة التي يخرج بها التقرير واضحة: العائد الحقيقي من الذكاء الاصطناعي لا يتحقق بمجرد نشر الأدوات، بل عبر إعادة تصميم العمل بالكامل. وهذا يشمل ربط التقنية بالاستراتيجية، وتحديد أين تخلق القيمة، وإعادة توزيع المسؤوليات، وتحديث أساليب الإدارة والتدريب والتقييم.
كما أن نجاح المؤسسات في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على معدل تبني الذكاء الاصطناعي، بل على قدرتها على تحويل الوقت الموفر إلى نتائج أفضل، وعلى جعل الموظفين يفهمون لماذا تستخدم هذه الأدوات وكيف تغير العمل. ووفق التقرير، فإن الشركات التي تنجح في هذا الربط هي الأكثر قدرة على تحقيق أثر تجاري مستدام، بينما ستواجه بقية المؤسسات خطر الاكتفاء بفوائد تشغيلية سطحية لا تترجم إلى قيمة حقيقية.