سجلت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك 100» ارتفاعاً في بداية الأسبوع، مدفوعة بعودة الشراء إلى أسهم شركات أشباه الموصلات بعد موجة بيع حادة في الجلسة السابقة، بينما بقيت شهية المخاطرة محدودة بفعل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط.
وجاء التحسن في أسهم الرقائق بعد هبوط قوي الجمعة الماضية، وهو هبوط محا جزءاً كبيراً من مكاسب القطاع الأخيرة وأثار مخاوف من أن تكون التقييمات قد تجاوزت الأساسيات التشغيلية لدى بعض المستثمرين. ومع ذلك، فإن الارتداد الحالي عكس قناعة بأن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا يزال يمثل دعامة رئيسية لقطاع التكنولوجيا، حتى مع استمرار تقلبات السوق.
تعافٍ في الرقائق بعد خسائر كبيرة
ارتفعت أسهم «إنفيديا» و«برودكوم» و«مايكرون تكنولوجي» قبل افتتاح السوق الأميركية بنسب تراوحت بين 1.5 في المائة و3.9 في المائة، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر التي تعرضت لها نهاية الأسبوع الماضي. وقد جاءت تلك الخسائر عقب ضغوط متزايدة على القطاع، شملت المخاوف من سرعة الصعود السعري، ونتائج أقل من التوقعات من «برودكوم»، إلى جانب رهانات على تشديد السياسة النقدية.
ووفق تقديرات السوق، فقد أدى الهبوط السابق إلى تبخر نحو تريليون دولار من القيمة السوقية لقطاع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، ما عكس حساسية المستثمرين لأي إشارة ضعف في نمو القطاع أو في توقعات الأرباح المستقبلية. غير أن قيادات استثمارية في السوق ما زالت ترى أن البنية الأساسية لقصص النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لم تتعرض لاهتزاز جوهري حتى الآن.
وفي هذا السياق، أشار أحد مسؤولي الاستثمار في إدارة الثروات لدى «يو بي إس» إلى أن الثقة في آفاق الذكاء الاصطناعي لا تزال قائمة، رغم الضغط الذي تتعرض له الأسهم التكنولوجية نتيجة المخاوف من المبالغة في التقييم. وهذا يعكس حالة شائعة في الأسواق الحالية: تصحيح قصير الأجل في الأسعار، من دون تحول واضح في السردية الاستثمارية طويلة الأمد.
السياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية تضغطان على المعنويات
على جانب آخر، ساهمت بيانات الوظائف الأميركية القوية لشهر مايو في تعزيز التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى رفعها مجدداً في وقت لاحق من العام. وقد ارتبط ذلك بزيادة الحذر في الأسهم، إذ يرى المستثمرون أن متانة سوق العمل قد تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لمواصلة سياسة التشديد.
وتشير تسعيرات العقود الآجلة للفائدة إلى احتمال ملموس لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى الأسواق التي تتعامل أصلاً مع مزيج معقد من التضخم والطلب القوي وتوترات الطاقة.
كما يترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم الأميركية لشهر مايو، والتي قد تعطي مؤشرات أوضح بشأن أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الأسعار الاستهلاكية. وتزداد أهمية هذا التقرير في ظل القفزة الأخيرة في أسعار النفط الخام، التي تجاوزت 4 في المائة ووصلت إلى مستويات مرتفعة مع استمرار الضربات المتبادلة في المنطقة.
النفط يعيد تشكيل حسابات الأسواق والقطاعات الحساسة للتكاليف
أدى صعود أسعار الخام إلى ضغوط مباشرة على قطاعات تعتمد على الوقود في هيكل تكاليفها، وعلى رأسها شركات الطيران الأميركية. فقد تراجعت أسهم عدد من هذه الشركات، ومن بينها «ساوث ويست إيرلاينز»، مع تصاعد المخاوف من انتقال الزيادة في أسعار الطاقة إلى هوامش الربح وتذاكر السفر لاحقاً.
وفي المقابل، استفادت بعض الشركات المرتبطة بالمواد الأولية أو بتوقعات إعادة الوزن داخل المؤشرات من موجة التحركات الأخيرة. وارتفع سهم «مارفيل تكنولوجي» قبل الافتتاح مع اقتراب انضمامه إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، بينما صعد سهم «إيلي ليلي» بعد بيانات إيجابية مرتبطة بعلاج جديد للسمنة، ما يبرز كيف يمكن لأخبار الشركات الفردية أن تخفف جزئياً من أثر الضبابية الكلية.
تكاليف الشحن تضغط على نموذج التجارة الإلكترونية الصينية منخفضة التكلفة
بعيداً عن وول ستريت، يواجه قطاع التجارة الإلكترونية الصينية منخفضة التكلفة موجة ضغط جديدة تهدد أحد أكثر نماذجه نمواً خلال السنوات الماضية. فارتفاع أسعار وقود الطائرات، إلى جانب تباطؤ الطلب من المستهلكين ذوي الدخل المنخفض في الأسواق الغربية، بدأ يرفع تكلفة توصيل السلع الصغيرة التي تعتمد عليها منصات مثل «تيمو» و«شي إن» و«علي إكسبريس».
هذا النموذج يقوم على شحن منتجات زهيدة الثمن مباشرة من المصانع الصينية إلى المستهلكين في الخارج، وهو نموذج استفاد كثيراً من تقنيات التسويق الرقمي وسلاسل الإمداد السريعة. لكن هذا الاعتماد على الشحن الجوي جعل المنصات أكثر عرضة لتقلبات أسعار الوقود ورسوم النقل الإضافية، وهو ما بدأ يضغط على الأسعار النهائية وهوامش الأرباح في آن واحد.
كما أن البيئة التنظيمية أصبحت أقل ملاءمة. فقد فُرضت تعريفات جمركية أوسع خلال العام الماضي، وأُلغيت بعض الإعفاءات على الطرود منخفضة القيمة، ما قلل مزايا التكلفة التي كانت تمنح هذه المنصات فرصة التوسع السريع. ومع ذلك، فإن التأثير الأحدث يبدو نابعاً من ارتفاع كلفة اللوجستيات العالمية أكثر من كونه ناتجاً عن الرسوم وحدها.
هبوط الصادرات الإلكترونية يعكس تباطؤاً أعمق
البيانات الحديثة أظهرت تراجع صادرات الصين من التجارة الإلكترونية منخفضة القيمة بنسبة 10.9 في المائة في أبريل، لتصل إلى 9.81 مليار دولار، وهو الشهر الخامس على التوالي من الانخفاض مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويعني ذلك أن التراجع لم يعد مجرد اضطراب عابر، بل قد يكون مؤشراً على تحول تدريجي في مسار النمو السريع لهذا القطاع.
ويرى محللون أن جزءاً من هذه الضغوط يعود إلى وصول المنصات الكبرى إلى مستويات انتشار مرتفعة بالفعل في الأسواق المستهدفة، ما يجعل استمرار النمو بنفس الوتيرة السابقة أكثر صعوبة. كما أن التضخم وارتفاع أسعار البنزين يضعفان القوة الشرائية لدى المستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما ينعكس على الطلب على السلع غير الأساسية منخفضة السعر.
وفي محاولة للتكيف، تتجه بعض الشركات إلى تعزيز التخزين المحلي وتوسيع المستودعات الإقليمية بدلاً من الاعتماد الكامل على الشحن المباشر من الصين. هذا التحول قد يقلل من حساسية التكلفة تجاه أسعار الشحن الجوي، لكنه يتطلب استثمارات تشغيلية أكبر ويخفض في الوقت نفسه من مرونة النموذج الأصلي القائم على السرعة والانخفاض الشديد في التكلفة.
آفاق السوق بين الذكاء الاصطناعي واللوجستيات العالمية
المشهد الحالي يعكس تداخلاً واضحاً بين محورين رئيسيين في الاقتصاد الرقمي العالمي: الأول يتمثل في استمرار رهانات المستثمرين على الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة، والثاني في هشاشة سلاسل الإمداد الرقمية عندما ترتفع تكاليف النقل والطاقة. وبين هذين المحورين، تتحرك الأسواق من يوم إلى آخر وفقاً لتقارير الوظائف، وأسعار النفط، ونتائج الشركات، وتبدلات السياسة النقدية.
وفي حين لا تزال شركات التكنولوجيا الكبرى قادرة على جذب السيولة عند أي ارتداد، فإن منصات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود تبدو أكثر حساسية للمتغيرات الجيوسياسية واللوجستية. وهذا ما يجعل الأشهر المقبلة اختباراً حقيقياً لنماذج الأعمال التي بُنيت على التوسع السريع والتكلفة المنخفضة، سواء في التمويل أو في الشحن أو في استهلاك الطاقة.
وبين تعافي أسهم الرقائق من جهة، وتراجع هوامش التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة من جهة أخرى، يبدو أن السوق الرقمية العالمية تدخل مرحلة أكثر انتقائية، حيث لا يعود النمو وحده كافياً، بل تصبح المرونة التشغيلية والتحكم في التكلفة جزءاً أساسياً من معادلة التفوق.