الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Jun-2026 5 دقائق قراءة

السياحة تتقدم أجندة منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 مع توسع التعاون الروسي الخليجي

برزت السياحة خلال منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 كقطاع استراتيجي يدعم تنويع الاقتصاد ويعزز التعاون بين روسيا ودول الشرق الأوسط، وسط تركيز متزايد على التكنولوجيا والربط الجوي وفرص الاستثمار.

أعاد منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 وضع السياحة في موقع متقدم داخل النقاشات الاقتصادية العالمية، بعدما طُرحت بوصفها أكثر من مجرد نشاط خدمي أو ترفيهي. فقد بدا واضحًا أن القطاع أصبح أحد الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتوسيع شبكات التعاون الدولي، خصوصًا بين روسيا ودول الشرق الأوسط.

وخلال جلسات المنتدى، برزت السياحة كملف يرتبط مباشرة بالنمو الاقتصادي، وبتطوير البنية التحتية، وبخلق فرص العمل، إلى جانب دورها في تعزيز صورة الدول على الساحة الدولية. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن صناعة السفر والضيافة لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءًا من معادلة التنافس الاقتصادي بين الأسواق الكبرى.

السياحة تتحول إلى أداة اقتصادية متعددة الوظائف

تناول المشاركون في المنتدى السياحة باعتبارها قطاعًا قادرًا على أداء أدوار اقتصادية متداخلة. فهي من جهة تساهم في تحريك الإنفاق المحلي وتغذية قطاعات النقل والفنادق والمطاعم والتجزئة، ومن جهة أخرى توفر بيئة مناسبة لاستقطاب رؤوس الأموال إلى مشاريع طويلة الأجل في الضيافة والترفيه والخدمات المساندة.

كما جرى التأكيد على أن السياحة أصبحت وسيلة لتعزيز ما يسمى بالقوة الناعمة، إذ تسمح للدول ببناء علاقات أكثر عمقًا مع الزوار والشركاء الاقتصاديين من خلال التجربة الثقافية والهوية المحلية والوجهات المتخصصة. وفي هذا السياق، بدت السياحة خلال المنتدى مرتبطة بمفهوم أوسع يتعلق بمكانة الدولة في الاقتصاد العالمي وليس فقط بعدد الزوار.

السعودية تعرض نموذجًا سياحيًا قائمًا على المشاريع الكبرى

حظرت المشاركة السعودية باهتمام لافت داخل المنتدى، بعدما عرضت المملكة ملامح نموذجها السياحي الجديد المبني على مشاريع ضخمة ووجهات متخصصة. وتصدرت مشروعات مثل نيوم والبحر الأحمر والعلا النقاشات باعتبارها أمثلة على تحول السياحة إلى قطاع استثماري قائم على التخطيط طويل المدى والبنية التحتية المتقدمة.

كما شملت المحادثات بين الجانبين السعودي والروسي ملفات عملية تتعلق بتطوير الربط الجوي، وتعزيز السياحة الشتوية، وتبادل الخبرات في إدارة الوجهات الذكية، إلى جانب توسيع السياحة الثقافية بين الشعبين. ويأتي هذا التوجه في إطار سعي المملكة إلى ترسيخ موقعها كوجهة دولية رئيسية ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تضع السياحة ضمن محركات النمو غير النفطي.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في أنها لا تعتمد فقط على الترويج للوجهات، بل تستند إلى بناء منظومة متكاملة تشمل النقل، والخدمات الرقمية، والاستثمار في الضيافة، وتطوير التجارب السياحية على أساس الجودة والتنوع.

روسيا تبحث عن أسواق بديلة في الشرق الأوسط

من جهتها، أبدت روسيا اهتمامًا واضحًا بتوسيع قاعدة السياحة الوافدة من الشرق الأوسط، في ظل التغيرات التي أثرت على تدفقات السياح القادمين من أوروبا. وجرى خلال المنتدى طرح فرص جديدة في مجالات متعددة، من بينها السياحة العلاجية والسياحة الشتوية والسياحة الثقافية والتاريخية.

كما ناقشت الجهات الروسية إجراءات تهدف إلى تحسين الوصول إلى السوق، وعلى رأسها تسهيل التأشيرات وتوسيع عدد الرحلات المباشرة مع دول الخليج. ويعكس هذا المسار توجهًا عمليًا نحو بناء روابط سياحية أكثر استدامة مع المنطقة، خاصة مع نمو الطلب الخليجي على الوجهات الجديدة التي تجمع بين الطابع الثقافي والخدمات المتقدمة.

ويبدو أن موسكو تراهن على أن الشرق الأوسط، بما فيه دول مجلس التعاون، يمكن أن يشكل مصدرًا مهمًا لتعويض جزء من التراجع في الأسواق الأوروبية التقليدية، وهو ما يجعل ملف السياحة جزءًا من استراتيجية اقتصادية أوسع تتجاوز مجرد الترويج للمقاصد الروسية.

الذكاء الاصطناعي يدخل بقوة إلى صناعة السفر

حظي البعد التكنولوجي بحضور مهم في جلسات المنتدى، إذ تم التطرق إلى دور الذكاء الاصطناعي في تطوير إدارة الوجهات وتحسين تجربة الزائر. وناقش المشاركون كيفية استخدام المنصات الرقمية في تخصيص الخدمات السياحية، وتقديم محتوى أكثر ملاءمة للسائح، ورفع كفاءة التشغيل في المؤسسات العاملة في القطاع.

كما شملت النقاشات موضوعات الأمن السيبراني في المنشآت السياحية، واستخدام البيانات الضخمة في تحليل سلوك الزوار وصياغة استراتيجيات تسويقية أكثر دقة. وفي ظل هذا الاتجاه، أصبحت السياحة الذكية جزءًا أساسيًا من المنافسة بين الدول، إذ لم يعد التفوق مرتبطًا فقط بجمال الوجهة، بل أيضًا بمدى تطور البنية الرقمية المحيطة بها.

وقد عرضت الإمارات والسعودية نماذج متقدمة في هذا المجال، ما عزز موقعهما ضمن المحاور الأكثر تأثيرًا في المنتدى، خاصة مع تركيزهما على التحول الرقمي في الخدمات السياحية وتوظيف التكنولوجيا لتحسين الكفاءة التشغيلية وتسهيل وصول الزائر إلى المعلومات والخدمات.

الربط الجوي شرط لتوسيع السوق السياحي

أحد الملفات البارزة التي طُرحت خلال المنتدى تمثل في أهمية تعزيز الربط الجوي بين روسيا والشرق الأوسط. وجرى الحديث عن إمكانية فتح خطوط جديدة بين مدن الخليج مثل الرياض ودبي والدوحة، وبين مدن روسية مثل سانت بطرسبورغ وسوتشي وموسكو.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لأنه يشكل البنية التحتية الأولى لأي توسع سياحي فعلي. فكلما تحسن الاتصال الجوي، زادت جاذبية الوجهات، وارتفعت قدرة الشركات السياحية والفنادق وشركات الطيران على بناء عروض تنافسية. كما أن زيادة الرحلات المباشرة تسهم في تقليل التكاليف والوقت، وتدعم تدفق الزوار لأغراض الترفيه والعلاج والأعمال.

من هنا، لم يكن النقاش حول الخطوط الجوية مجرد ملف تشغيلي، بل جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى ربط الأسواق وتسهيل الحركة التجارية والبشرية بين الجانبين.

فرص استثمارية تمتد إلى الضيافة والمنتجعات

أظهر المنتدى أن قطاع السياحة لم يعد يقتصر على المنتج النهائي المرتبط بالزيارة والإقامة، بل بات منصة استثمارية واسعة تشمل الفنادق والمنتجعات والوجهات الطبيعية والسياحة العلاجية والثقافية. وقد عرضت عدة دول فرصًا لتطوير مشاريع جديدة في هذا المجال، في وقت يزداد فيه الطلب على التجارب السياحية المتخصصة.

وفي المقابل، قدمت روسيا فرصًا استثمارية في مناطقها الشمالية والشرقية، بينما عرضت دول الخليج مشاريع ضخمة في الضيافة والترفيه. ويشير هذا التنوع إلى أن السوق السياحي بات يستقطب رؤوس الأموال في قطاعات متداخلة، من العقارات السياحية إلى الخدمات الرقمية إلى النقل الجوي.

كما أن الاهتمام بالمشاريع العابرة للحدود يعكس ميلًا متزايدًا نحو الشراكات الدولية بدلاً من الاستثمارات المحلية المحدودة، وهو اتجاه يتماشى مع طبيعة الاقتصاد السياحي الحديث الذي يعتمد على التكامل بين أكثر من قطاع وأكثر من دولة.

السياحة كمسار للتعاون الروسي الخليجي

أظهر منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 أن السياحة أصبحت إحدى القنوات العملية لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين روسيا ودول الشرق الأوسط. فالموضوع لم يعد محصورًا في جذب الزوار، بل امتد إلى التكنولوجيا والنقل والاستثمار والبنية التحتية والتعاون الثقافي.

وفي هذا الإطار، بدت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، من أكثر الأطراف قدرة على التأثير في مستقبل القطاع، سواء من خلال المشاريع الكبرى أو عبر تبني نماذج السياحة الذكية. أما روسيا، فترى في هذا التعاون فرصة لإعادة توجيه جزء من حركة السفر العالمية نحو أسواق جديدة، وبناء شراكات تتجاوز الظرف السياسي والاقتصادي الآني.

وبهذا المعنى، لم يكن حضور السياحة في المنتدى تفصيلاً عابرًا، بل مؤشراً على تحوّل القطاع إلى عنصر استراتيجي في صياغة العلاقات الاقتصادية الدولية خلال المرحلة المقبلة.