خطوة جديدة في مسار التحول الرقمي
تتحرك الإمارات نحو مرحلة أكثر تقدماً في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل منظومة العمل الحكومي والقطاعات الاقتصادية، مع استعداد برنامج خبراء الإمارات لإطلاق «مسار الذكاء الاصطناعي» خلال شهر يونيو. ويأتي هذا التوجه منسجماً مع استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، التي تضع التكنولوجيا المتقدمة في قلب تطوير الخدمات والعمليات ومجالات التنافسية المستقبلية.
ويعكس هذا المسار انتقالاً من مرحلة تبني الأدوات الذكية إلى مرحلة أعمق تقوم على تطوير القدرات الوطنية القادرة على فهم هذه التقنيات وتطبيقها وإدارتها ضمن بيئات تشغيلية واقعية. كما ينسجم مع التحولات التي تشهدها الدولة في بنيتها الرقمية، ومع الخطط الحكومية الهادفة إلى رفع كفاءة الأداء وتسريع الابتكار في القطاعات ذات الأولوية.
خمسة أهداف رئيسية يدعمها البرنامج
يركز «مسار الذكاء الاصطناعي» على دعم خمسة محاور أساسية في الاستراتيجية الوطنية، تبدأ بتعزيز موقع الإمارات كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، مروراً برفع تنافسية القطاعات الحيوية عبر توسيع الاستخدامات العملية لهذه التقنيات. كما يهدف إلى تسريع دمج الحلول الذكية في الخدمات الحكومية، وتطوير الكفاءات الإماراتية المؤهلة للعمل في وظائف تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ربط البحث المتقدم بالبنية التحتية والتطبيق الميداني.
وتكتسب هذه الأولويات أهمية خاصة في سياق الاقتصاد الرقمي، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الإنتاجية، وإدارة البيانات، وصياغة الخدمات العامة، وتحسين القرارات التشغيلية. ومن هذا المنطلق، يمثل إعداد الكوادر الوطنية جزءاً أساسياً من معادلة النجاح، وليس مجرد عنصر داعم لها.
تأهيل كوادر وطنية للعمل في بيئات ذكية
من المنتظر أن يضم المسار نخبة من الكفاءات الوطنية ضمن 25 قطاعاً حيوياً، ما يعكس اتساع نطاق التطبيق من الخدمات الحكومية إلى مجالات اقتصادية وتشغيلية متعددة. وسيخضع المنتسبون لبرامج تدريب مكثفة تتناول أنظمة الذكاء الاصطناعي، والحوكمة، والقيادة، إضافة إلى المشاركة في رحلات دراسية دولية تمنحهم رؤية أوسع حول التجارب العالمية في هذا المجال.
ويعتمد البرنامج أيضاً على مشروعات تخرج ترتبط بتحديات وطنية حقيقية، بما يضمن أن تكون المخرجات قابلة للتطبيق وليس فقط نظرية. وتمنح هذه المقاربة المشاركين فرصة العمل على حلول يمكن أن تترك أثراً مباشراً في بيئات العمل، سواء من حيث تحسين الإجراءات أو دعم اتخاذ القرار أو رفع كفاءة الخدمات.
هذا النوع من البرامج يكتسب أهمية إضافية في ظل المنافسة العالمية على المواهب الرقمية، حيث تتسابق الحكومات والشركات على استقطاب المتخصصين القادرين على التعامل مع التقنيات الناشئة وإدارتها بطريقة مسؤولة وآمنة.
تركيز على التطبيق العملي والحوكمة
تقوم الفكرة الأساسية للمسار على تجاوز الاستخدام التقليدي للذكاء الاصطناعي، والانتقال إلى مرحلة توظيفه في القيادة والتنفيذ ومتابعة العمليات المعقدة. ويعني ذلك أن البرنامج لا يقتصر على تعليم الأدوات أو التعرف إلى النماذج التقنية، بل يهدف إلى إعداد كوادر تفهم كيفية دمج هذه الأنظمة ضمن مؤسسات الدولة بصورة فعالة ومنضبطة.
كما يبرز عنصر الحوكمة بوصفه أحد أهم مكونات التأهيل، خصوصاً مع توسع استخدام النماذج الذكية في مجالات حساسة. فالتطبيق المسؤول للذكاء الاصطناعي يتطلب فهماً للقواعد التنظيمية، وإدارة البيانات، ومخاطر الاعتماد على الأنظمة الذاتية، وضمان التوازن بين الكفاءة والرقابة البشرية.
وفي هذا السياق، يمثل المسار استثماراً في بناء الخبرات القادرة على صياغة سياسات تشغيلية تتناسب مع التحول المتسارع في الحكومة الرقمية، وتدعم جاهزية المؤسسات لاستيعاب الجيل الجديد من التطبيقات الذكية.
دور الخبرات الوطنية في قيادة المرحلة المقبلة
أظهرت المقابلات التي سبقت اختيار المنتسبين مستوى متقدماً من الوعي لدى عدد من المرشحين تجاه استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031. كما برز فهم واضح بأن المرحلة التالية من التحول الرقمي ستعتمد على التطبيق الفعلي داخل المؤسسات، وليس على التبني الشكلي للتقنية.
وقال مدير برنامج خبراء الإمارات إن الدولة نجحت في ترسيخ موقعها ضمن البيئات العالمية الجاذبة للذكاء الاصطناعي، وإن المسار الجديد يهدف إلى دفع الكفاءات الوطنية نحو دور أكثر تقدماً، يقوم على القيادة والمساهمة في تطوير السياسات وتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل.
وتكتسب هذه الرسالة بعداً اقتصادياً واضحاً، لأن بناء قاعدة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي ينعكس على قدرة الدولة في استقطاب الاستثمارات، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير الخدمات العامة، ورفع كفاءة القطاعات التي تعتمد على البيانات والتحليل الآلي.
ارتباط مباشر بالتحول الحكومي في الإمارات
يتزامن إطلاق المسار مع توجه حكومي أوسع يهدف إلى تحويل جزء كبير من القطاعات والخدمات والعمليات الحكومية إلى نماذج ذكاء اصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين. وهذا يوضح أن المبادرة ليست منفصلة عن السياسة العامة، بل تأتي كأداة تنفيذية تساعد على إعداد العنصر البشري القادر على تشغيل هذه المنظومة الجديدة.
وتشير هذه الخطوة إلى أن الاستثمار في البنية الرقمية لم يعد كافياً وحده، بل يجب أن يصاحبه بناء للمهارات والقدرات المؤسسية. فنجاح التحول نحو الحكومة الذكية يعتمد على وجود قيادات ومختصين يفهمون طبيعة هذه التقنيات ويستطيعون إدارتها ضمن إطار تشغيلي متكامل.
كما يعزز هذا النهج موقع الإمارات ضمن الدول الأكثر استعداداً للاستفادة من الذكاء الاصطناعي على مستوى الحكومات، وهو ما تدعمه الاستثمارات المستمرة في البنية التحتية الرقمية وبرامج تطوير الكفاءات الوطنية.
استثمار طويل الأجل في الاقتصاد الرقمي
في المحصلة، يمثل «مسار الذكاء الاصطناعي» جزءاً من رؤية أوسع تتعامل مع التقنية بوصفها محركاً للنمو المؤسسي والاقتصادي. فالتركيز على التأهيل والتطبيق والحوكمة يعكس فهماً متقدماً لطبيعة التحول الرقمي، حيث لا يكفي امتلاك الأدوات، بل يجب امتلاك القدرة على استخدامها في تحقيق نتائج ملموسة.
ومن خلال الجمع بين التدريب المتخصص، والمشروعات العملية، والتعرض للتجارب الدولية، يسعى البرنامج إلى إعداد جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على المساهمة في تطوير الخدمات، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الدولة في بيئة اقتصادية تتغير بسرعة بفعل الذكاء الاصطناعي.