الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الحكومة الأميركية تضخ 500 مليون دولار في «ساندبوكس إيه كيو» لتطوير مواد أشباه الموصلات محلياً

منحت وزارة التجارة الأميركية شركة «ساندبوكس إيه كيو» الناشئة تمويلاً بقيمة 500 مليون دولار لدعم تطوير مواد كيميائية وبدائل صناعية تُستخدم في تصنيع أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة، مع ربط التمويل بحصة أقلية للحكومة وعائدات مستقبلية من التراخيص.

تمويل حكومي لتعزيز التصنيع المحلي

خصصت الحكومة الأميركية 500 مليون دولار لشركة ناشئة تحمل اسم «ساندبوكس إيه كيو» بهدف تطوير مواد كيميائية وبدائل صناعية تُستخدم في صناعة أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة. ويأتي هذا التمويل ضمن مساعٍ أوسع لتقوية سلاسل التوريد المحلية وتقليص الاعتماد على الواردات في مكونات ومواد حساسة تدخل في تصنيع الرقائق الإلكترونية.

وتستهدف الصفقة مجالات صناعية ترتبط مباشرة بإنتاج الشرائح المتقدمة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى بناء قدرة أكبر على توفير المواد الأساسية محلياً، خاصة في القطاعات التي تعتمد حالياً على موردين خارجيين أو على عناصر ومعادن ذات مخاطر توريد مرتفعة.

وبحسب تفاصيل الاتفاق، فإن وزارة التجارة الأميركية لا تكتفي بالدعم المالي، بل ستحصل أيضاً على حصة أقلية في الشركة. ووفق ما أكدته الشركة ومسؤول حكومي، فإن هذه الحصة لا تمنح الحكومة حقوق تصويت ولا مقعداً في مجلس الإدارة.

شركة مدعومة من إنفيديا تعمل على ذكاء اصطناعي للمختبرات

«ساندبوكس إيه كيو» ليست شركة برمجيات تقليدية، بل تطور نوعاً من الذكاء الاصطناعي مصمماً للتعامل مع المشكلات في العالم المادي. وتعتمد نماذجها على نتائج التجارب الواقعية والبيانات الفيزيائية بدلاً من الاقتصار على النصوص أو الشيفرات، بهدف مساعدة الباحثين على الوصول إلى حلول لمشكلات معقدة تعجز عنها أدوات الدردشة المعروفة.

وأوضحت الشركة أنها استخدمت هذا النهج بالفعل في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية وأجهزة الاستشعار الخاصة بالملاحة الكمومية، قبل أن تتجه إلى المواد الكيميائية ومواد تصنيع الرقائق. وبلغت قيمة الشركة 5.75 مليار دولار في أبريل 2025، كما جمعت أكثر من مليار دولار منذ تأسيسها، ما يعكس اهتمام المستثمرين بنموذج أعمالها القائم على الربط بين الذكاء الاصطناعي والتطبيقات العلمية والصناعية.

كما أن دعم شركة مثل «إنفيديا» يمنح المشروع وزناً إضافياً في سوق تتسارع فيه المنافسة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لكن مع تركيز هذه المرة على الاستخدامات الصناعية لا على البرمجيات الاستهلاكية.

أربعة مجالات رئيسية لتقليل الاعتماد الخارجي

ينص العقد على أن تعمل الشركة على تطوير مواد قابلة للتسويق في أربعة مسارات أساسية. أولها بدائل ومواد معالجة لمركبات «بي إف إيه إس»، وهي فئة من المواد الكيميائية واسعة الاستخدام في تصنيع الرقائق لكنها تُعرف بصلابتها الكيميائية وبقاء آثارها لفترات طويلة في البيئة.

أما المسار الثاني فيشمل تطوير محفزات جديدة تُسرّع التفاعلات الكيميائية داخل بعض عمليات تصنيع الرقائق. والمسار الثالث يركز على ابتكار مغناطيسات وبطاريات دائمة مخصصة لمعدات إنتاج الشرائح، بحيث لا تعتمد على عناصر أرضية نادرة مصدرها الصين أو مصادر أجنبية أخرى. ويشمل المجال الرابع حلولاً أخرى مرتبطة بمواد التصنيع والعمليات المساندة التي قد تساهم في سد فجوات العرض أو تخفيف الاختناقات.

وتحاول الإدارة الأميركية من خلال هذا النهج أن تدفع شركات التكنولوجيا العميقة إلى إنتاج مواد قابلة للتصنيع التجاري على نطاق واسع، لا مجرد أفكار بحثية محدودة. وفي حال نجاح «ساندبوكس إيه كيو» في تحويل هذه المواد إلى منتجات صناعية، فإنها ستمنح تراخيص للشركاء الصناعيين لتوسيع الإنتاج، على أن تحصل وزارة التجارة على عائدات مالية من هذا المسار.

مركبات PFAS في صلب المعادلة الصناعية

أحد أكثر الجوانب حساسية في المشروع يتعلق بمركبات «بي إف إيه إس»، المعروفة أيضاً باسم «المواد الكيميائية الأبدية». هذه المركبات تُستخدم في عدد من مراحل التصنيع نظراً لخصائصها الصناعية المهمة، لكن مخاوف بيئية وصحية متزايدة دفعت شركات وجهات تنظيمية إلى البحث عن بدائل أقل ضرراً.

ووفق تصريحات مسؤولي الشركة، فإن الهدف لا يقتصر على الاستعاضة عن هذه المواد، بل يشمل أيضاً تطوير طرق لمعالجة المركبات أو تفكيكها في الموقع قبل أن تصل إلى البيئة الخارجية. ويعكس ذلك توجهاً متزايداً في الصناعة نحو دمج اعتبارات الاستدامة مع متطلبات الأداء الصناعي.

هذا التركيز ينسجم مع واقع تصنيع الرقائق، حيث يمكن لأي مادة بديلة أن تؤثر في الكفاءة أو الجودة أو سرعة الإنتاج. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيجاد بديل نظري فحسب، بل في تقديم حل يمكن دمجه داخل خطوط الإنتاج دون تعطيل العمليات أو رفع التكاليف بصورة مفرطة.

رسالة اقتصادية أوسع بشأن سلاسل التوريد والمعادن النادرة

يحمل التمويل دلالة اقتصادية تتجاوز الشركة نفسها. فالإدارة الأميركية تسعى منذ سنوات إلى تقليل هشاشة سلاسل التوريد في القطاعات الاستراتيجية، ولا سيما في صناعة أشباه الموصلات التي أصبحت عنصراً مركزياً في الاقتصاد الرقمي العالمي. ويزداد هذا الضغط مع الاعتماد الكبير على مواد ومعدات ومكونات تأتي من خارج الولايات المتحدة.

وتبرز في هذا السياق قضية العناصر الأرضية النادرة، التي تهيمن الصين على جزء كبير من إمداداتها العالمية. وتعد هذه المعادن ضرورية للصناعات الدفاعية والسيارات وأجهزة التصنيع الإلكتروني، كما تدخل في مكونات الآلات المستخدمة لإنتاج الرقائق. ولهذا ترى واشنطن أن توطين بدائل لهذه المواد يمنح الصناعة هامشاً أكبر من الأمان والاستقرار.

كما أن المغناطيسات والبطاريات الدائمة التي تعتزم الشركة تطويرها ليست مجرد عناصر ثانوية، بل جزء من البنية التشغيلية لمعدات تصنيع الشرائح، إذ تحتاج هذه المعدات إلى مكونات كهربائية ومغناطيسية لضمان استمرارية العمل وتفادي توقفات مكلفة قد تؤثر في الإنتاجية.

انعكاسات على سوق التكنولوجيا العميقة

يمثل هذا النوع من الصفقات نموذجاً متقدماً للتدخل الحكومي في الاقتصاد التقني، حيث لا يقتصر الدور الرسمي على المنح، بل يمتد إلى المشاركة في الملكية وارتباط العائدات بالنجاح التجاري. ومن شأن هذا الأسلوب أن يعزز تمويل الابتكار في المجالات عالية المخاطر، لكنه يربط في الوقت نفسه جزءاً من القيمة المستقبلية للقطاع العام.

كما يعكس الاتفاق تحوّلاً في الأولويات الاقتصادية الأميركية، من دعم التطبيقات الرقمية الاستهلاكية إلى تمويل البنية الأساسية للصناعة التكنولوجية. فبدلاً من التركيز على المنتجات النهائية فقط، يجري الاستثمار في المواد والعمليات التي تقوم عليها هذه المنتجات، وهو ما قد يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل في الأمن الصناعي والقدرة التنافسية.

وفي ضوء النمو السريع للذكاء الاصطناعي الصناعي، قد تصبح الشركات التي تربط بين علوم المواد والنماذج الحسابية المتقدمة لاعباً محورياً في المرحلة المقبلة. وإذا نجحت «ساندبوكس إيه كيو» في تحويل أبحاثها إلى حلول تجارية قابلة للتوسع، فقد تصبح مثالاً على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتقوية القاعدة الصناعية لا فقط لرفع كفاءة البرمجيات.