الأعمال والاقتصاد الرقمي 18-Jun-2026 5 دقائق قراءة

صدمة أسعار الطاقة تدفع الاقتصاد الألماني إلى حافة ركود تقني في 2026

يرجّح معهد اقتصادي ألماني أن يدخل الاقتصاد الألماني في ركود تقني خلال العام الجاري، مع تأثير صدمة أسعار النفط والغاز على الاستهلاك والاستثمار، في وقت يظل فيه الإنفاق الحكومي عامل كبحٍ لانكماش أعمق.

تراجع التوقعات مع تصاعد ضغط الطاقة

حذّر معهد البحوث الاقتصادية في ألمانيا من أن أكبر اقتصاد في أوروبا قد يدخل مرحلة ركود تقني خلال العام الحالي، بعدما أدت الصدمة الجديدة في أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب إلى إبطاء مسار التعافي الذي كان أصلاً هشاً. وذهب المعهد إلى خفض تقديراته للنمو لعام 2026 إلى النصف تقريباً، في إشارة إلى أن الضغوط على النشاط الاقتصادي باتت أوسع من أن تُعدّ مؤقتة.

وبحسب أحدث التقديرات، يتوقع المعهد أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة 0.5 في المائة هذا العام، ثم 0.8 في المائة في 2027. وتمثل هذه الأرقام تراجعاً بنحو نصف نقطة مئوية مقارنة بتوقعات الربيع، ما يعكس اتساع أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الصناعة والاستهلاك والاستثمار.

ويرى المعهد أن الاقتصاد الألماني قد يسجل انكماشاً طفيفاً خلال الربعين الثاني والثالث من العام، قبل أن يستعيد قدراً من الاستقرار مع اقتراب نهاية السنة. وفي التعريف الشائع بين الاقتصاديين، يشير الركود التقني إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي خلال ربعين متتاليين.

الأسعار الأعلى تضغط على الأسر والشركات

يأتي هذا التحذير في وقت ترتفع فيه أسعار النفط والغاز، الأمر الذي ينتقل سريعاً إلى الأسعار الاستهلاكية ويقلص القدرة الشرائية للأسر. كما أن ارتفاع الكلفة يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين لدى الشركات، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصناعة التحويلية والكيماويات والنقل.

وقال المعهد إن التضخم مرشح للوصول إلى 2.9 في المائة خلال هذا العام، ثم 3 في المائة في 2027، وهي مستويات أعلى من مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة. وهذا يعني أن ضغوط الأسعار قد تبقى قائمة حتى بعد تراجع حدة الصدمة الأولى، وهو ما يربك قرارات الإنفاق والتوظيف والتخطيط الاستثماري.

وتنعكس هذه المعادلة مباشرة على السوق الداخلية، إذ تميل الأسر إلى تقليص الإنفاق غير الضروري عندما ترتفع فواتير الطاقة والغذاء والنقل. وفي المقابل، تصبح الشركات أكثر حذراً في التوسع أو إطلاق مشاريع جديدة إذا كانت غير واثقة من استقرار التكاليف والأسعار خلال الأشهر المقبلة.

الإنفاق الحكومي يحد من عمق التباطؤ

رغم الصورة القاتمة نسبياً، لا يتوقع المعهد أن تنزلق ألمانيا إلى ركود أعمق، إذ يرى أن الإنفاق الحكومي سيساعد في تخفيف حدة التباطؤ. ويشمل ذلك زيادة مخصصات الدفاع إلى جانب صناديق مخصصة للبنية التحتية، وهي إجراءات توفر دعماً مباشراً للطلب العام وتمنع الاقتصاد من الهبوط بوتيرة أسرع.

لكن هذا الدعم المالي لا يلغي حقيقة أن النمو يظل ضعيفاً مقارنة بحجم الاقتصاد الألماني وأهميته داخل منطقة اليورو. فالمصانع التي تواجه تكاليف طاقة أعلى قد تؤجل التوسع، والمستهلك الذي يواجه أسعاراً مرتفعة قد يبطئ الإنفاق، والأسواق المالية بدورها تتعامل بحذر مع أي إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية.

وأوضحت رئيسة قسم التوقعات في المعهد أن صدمة الطاقة تبطئ التعافي بشكل ملحوظ، لكنها لا تعني تكرار الظروف التي شهدتها ألمانيا في عامي 2022 و2023. ووفقاً لتقديرها، فإن إمدادات الطاقة ما زالت مستقرة، كما أن اعتماد ألمانيا على الوقود الأحفوري المستورد أصبح أقل مما كان عليه في مرحلة ما بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، وهو ما يخفف من احتمالات أزمة إمداد حادة.

ما الذي يعنيه الركود التقني للاقتصاد الألماني؟

لا يعني الركود التقني بالضرورة أزمة مالية واسعة، لكنه يعكس ضعفاً واضحاً في الزخم الاقتصادي. وفي حالة ألمانيا، قد يترجم ذلك إلى تباطؤ في الطلب الصناعي، وتراجع في الثقة الاستثمارية، واستمرار الضغوط على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على هوامش ربح محدودة.

كما أن ارتفاع التضخم فوق هدف البنك المركزي الأوروبي يزيد تعقيد المشهد، لأنه قد يبقي السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول، في وقت تحتاج فيه بعض القطاعات إلى تمويل أقل كلفة. ومن شأن هذه المعادلة أن تُبقي على حالة التوازن الصعب بين كبح الأسعار ودعم النمو.

وبالنسبة لأسواق الأعمال، فإن المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة سيكون مدى استمرار صدمة الطاقة ودرجة انتقالها إلى الأسعار النهائية. فإذا بقيت أسعار النفط والغاز مرتفعة، قد يتسع أثرها إلى سلاسل التوريد والسلع الوسيطة، ما يفاقم الضغوط على التصنيع والتجارة والخدمات.

احتمالات 2026 و2027 تحت المراجعة

التقديرات الجديدة ترسم مساراً باهتاً للنمو في المدى المتوسط، مع نمو متواضع في 2026 يعقبه تحسن محدود في 2027. لكن استمرار الصدمات الجيوسياسية أو عودة اضطرابات الطاقة قد يعيد تعديل هذه الأرقام مرة أخرى، ما يجعل التوقعات رهينة لتطورات الأسواق العالمية أكثر من اعتمادها على قوة الطلب الداخلي وحده.

وتؤشر المراجعة الأخيرة إلى أن الاقتصاد الألماني، رغم صلابته المؤسسية، يظل حساساً للغاية للتقلبات الخارجية في الطاقة. كما تكشف أن مرحلة ما بعد الصدمات الكبرى لا تعني بالضرورة عودة سريعة إلى مستويات النمو السابقة، بل قد تمر عبر فترات طويلة من التباطؤ المتقطع والتضخم المرتفع نسبياً.

في المحصلة، تبدو ألمانيا أمام اختبار مزدوج: حماية النشاط الاقتصادي من الانكماش، ومنع ضغوط الأسعار من التحول إلى عبء دائم على الأسر والشركات. وبين هذين الهدفين، ستظل كلفة الطاقة العامل الأكثر تأثيراً في ملامح الأداء الاقتصادي خلال العامين المقبلين.