تدخل مفاوضات الموازنة طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي مرحلة شديدة الحساسية، بعدما برزت خلافات واضحة بين الدول الأعضاء حول حجم الإنفاق للفترة الممتدة من 2028 إلى 2034، وكذلك حول كيفية تمويل البرامج المشتركة وتقاسم الأعباء بين الدول المساهمة والدول المستفيدة.
وتُعد هذه الموازنة الأداة المالية الأساسية للتكتل المؤلف من 27 دولة، إذ تموّل من خلالها برامج زراعية وتنموية وتعليمية، إلى جانب مشروعات التكنولوجيا وتقليص الفوارق الاقتصادية بين الأقاليم، وهي ملفات تتداخل فيها الأولويات الاقتصادية مع التحولات الرقمية والدفاعية التي يواجهها الاتحاد في المرحلة المقبلة.
موازنة ضخمة وسط أولويات متغيرة
وفقاً للمقترح الأولي، قد تصل موازنة الاتحاد للفترة 2028-2034 إلى نحو تريليوني يورو، أي ما يعادل 2.3 تريليون دولار. ويعكس هذا الحجم الكبير اتساع نطاق الالتزامات التي يتعامل معها الاتحاد، من دعم القطاع الزراعي إلى الاستثمار في الابتكار والتعليم وحركة التنقل الطلابي، إضافة إلى سياسات التماسك الاقتصادي بين الدول الغنية والأقل دخلاً.
لكن هذا الطموح المالي لا يحظى بإجماع. فالدول الأكثر ثراءً، التي تسهم عادةً بأموال تفوق ما تحصل عليه من الصندوق المشترك، تطالب بتقليص الأرقام وتوجيه الموارد إلى ملفات تعتبرها أكثر ارتباطاً بمتطلبات المرحلة، مثل الدفاع والتنافسية التكنولوجية. في المقابل، ترى دول أخرى أن خفض الإنفاق قد يضعف قدرة الاتحاد على دعم النمو المتوازن ومواجهة التضخم وتفاوتات الدخل.
اعتراضات من الدول المساهمة صافياً
أبدت دول من بين أكبر المساهمين الصافين في ميزانية الاتحاد تحفظات واضحة على المسودة الحالية. وأكدت ألمانيا، بصفتها أكبر مساهم صافٍ، أن المقترح المطروح مرتفع أكثر من اللازم، داعية إلى خفض الأرقام قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية. ويعكس هذا الموقف قلقاً أوسع لدى بعض الحكومات من تضخم الالتزامات المالية في وقت تواجه فيه اقتصادات أوروبية ضغوطاً تتعلق بالنمو وأسعار الطاقة والإنفاق الدفاعي.
كما رأت هولندا أن المسودة لا تعكس تحوّلات الاقتصاد الأوروبي، لأنها تمنح وزناً كبيراً للإنفاق التقليدي على حساب مجالات تعتبرها أكثر إلحاحاً، مثل الابتكار والأمن والدفاع. ومن وجهة نظرها، تحتاج أوروبا إلى موازنة أكثر مرونة تتواءم مع المشهد الاقتصادي والتكنولوجي الحالي، بدل الاعتماد على صيغ إنفاق تبدو، بحسب وصف المسؤولين الهولنديين، أقرب إلى نماذج قديمة.
الدول المستفيدة تطالب بمزيد من الدعم
في الجهة المقابلة، ترى دول من بين المستفيدين الصافين أن المقترح لا يزال متحفظاً ولا يلبّي احتياجاتها الاقتصادية. وتدعو إسبانيا إلى رفع المخصصات الموجهة للزراعة وسياسات التماسك، معتبرة أن التضخم المرتفع يضغط على الفئات الأكثر هشاشة ويقلص القدرة الشرائية في عدد من المناطق. كما شددت مدريد على أن التوازن بين الدول لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم المساهمات، بل أيضاً بقدرة الموازنة على دعم الاستقرار الاجتماعي والنمو المتوازن.
هذا التباين بين الدول المساهمة والدول المستفيدة ليس جديداً، لكنه يتخذ هذه المرة بعداً إضافياً مع اتساع النقاش حول أولويات الاتحاد في حقبة تتطلب إنفاقاً أكبر على الدفاع، والابتكار، والتحول الرقمي، وسلاسل الإمداد، والجاهزية الصناعية. ومن هنا، لم تعد الموازنة مجرد وثيقة مالية، بل أصبحت أداة لتحديد شكل الدور الأوروبي في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
البحث عن مصادر دخل جديدة
أحد أكبر التحديات التي تواجه المفاوضين يتمثل في كيفية تمويل الطموحات الجديدة دون الاعتماد بصورة مفرطة على المساهمات الوطنية. فالقادة يدركون أن زيادة الاعتماد على خزائن الدول الأعضاء قد يفاقم التوترات السياسية، لا سيما في ظل صعود الأصوات المطالبة بضبط الإنفاق العام وعدم توسيع الدين الأوروبي.
ولهذا السبب، يجري تداول مجموعة من المقترحات لتوفير موارد ذاتية جديدة للاتحاد، من بينها جزء من عائدات نظام تداول الانبعاثات، ورسوم على السلع المستوردة ذات الانبعاثات الكربونية المرتفعة، وضرائب على النفايات الإلكترونية، والتبغ، وبعض الأنشطة المالية والتكنولوجية، بما في ذلك التعاملات المرتبطة بالعملات المشفرة. كما طُرحت أفكار تتعلق بمساهمات أكبر من الشركات الكبرى، في محاولة لتوسيع قاعدة الإيرادات وتقليل الضغط على الميزانيات الوطنية.
ورغم أن هذه المقترحات لا تزال محل نقاش، فإنها تعكس اتجاهاً أوسع داخل الاتحاد نحو البحث عن نموذج مالي أكثر استقلالية، يتيح تمويل السياسات المشتركة دون استنزاف الحكومات الأعضاء أو تعميق الانقسامات بينها.
مهلة سياسية ضيقة
من الناحية الإجرائية، يجب التوصل إلى اتفاق نهائي بحلول نهاية عام 2027، غير أن عدداً من العواصم الأوروبية يفضّل التوصل إلى تسوية مبدئية قبل نهاية العام الحالي. والسبب لا يتعلق فقط بالوقت، بل أيضاً بالاعتبارات السياسية، إذ تخشى حكومات أوروبية من أن يتحول ملف الموازنة إلى مادة انتخابية مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة في عدد من الدول.
هذا البعد الانتخابي يزيد صعوبة التفاوض، لأن كل طرف يحاول إظهار أنه يدافع عن أموال دافعي الضرائب أو عن مصالح القطاعات المحلية أو عن التوازن بين شمال أوروبا وجنوبها وشرقها. ونتيجة لذلك، قد تصبح أي صيغة توافقية المقبلة قائمة على تنازلات متبادلة تشمل تقليص بعض البنود، وتعزيز بنود أخرى، وتأجيل الحسم في ملفات التمويل الأكثر حساسية.
المعادلة بين الانضباط والطموح
تختصر أزمة الموازنة الأوروبية الحالية معادلة أوسع يعيشها التكتل: كيف يمكن تمويل طموحات سياسية واقتصادية كبيرة في وقت ترتفع فيه كلفة الدفاع، وتتسع فيه الحاجة إلى الابتكار، وتبقى فيه الدول الأعضاء حذرة من أي توسع مالي قد يثقل الموازنات العامة؟
في هذا السياق، تبدو المفاوضات المقبلة اختباراً ليس فقط لقدرة الاتحاد على جمع التمويل، بل أيضاً لقدرته على تحديد أولويات واضحة في عالم تتغير فيه المنافسة الاقتصادية بسرعة. فالاتفاق المنتظر لن يحدد أرقام الإنفاق وحدها، بل سيرسم أيضاً ملامح السياسة الاقتصادية الأوروبية في السنوات السبع المقبلة، بين دعم النمو، وتشديد الانضباط المالي، والانتقال نحو مصادر دخل أكثر تنوعاً واستدامة.