الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Jun-2026 6 دقائق قراءة

العقد السوري الأميركي للغاز يفتح مرحلة جديدة في تمويل قطاع الطاقة

وقّعت الشركة السورية للبترول عقداً تنفيذياً مع كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إنرجي لتطوير حقول الغاز، في خطوة يُنظر إليها كتحول اقتصادي مهم قد يخفف عجز الموازنة ويعزز فرص الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة.

صفقة طاقة تحمل دلالات اقتصادية أوسع

أعلنت الشركة السورية للبترول توقيع عقد تنفيذي مع شركتَي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إنرجي الأميركيتين لتطوير حقول الغاز ورفع إنتاجها، في خطوة تمثل انتقالاً واضحاً من مرحلة التفاهمات الأولية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ويأتي الاتفاق في وقت تبحث فيه دمشق عن أدوات عملية لتخفيف الضغط على المالية العامة، وتحسين إمدادات الطاقة، وفتح الباب أمام تمويل خارجي قادر على دعم التعافي الاقتصادي.

وتكتسب الصفقة أهميتها من كونها أول عقد كبير في قطاع الغاز يربط سوريا بشركة أميركية من هذا الحجم منذ سنوات طويلة، ما يجعلها أكثر من مجرد اتفاق فني. فهي في جوهرها إشارة إلى أن قطاع الطاقة السوري بدأ يستعيد موقعه كمساحة محتملة للشراكات الدولية، بعد مرحلة طويلة من التراجع الحاد في الإنتاج والبنية التحتية.

من مذكرة تفاهم إلى التزام تنفيذي

الصفقة الحالية لم تظهر فجأة، بل جاءت امتداداً لمسار بدأ بمذكرة تفاهم وُقعت في نوفمبر 2025، ثم تبعتها مشاورات فنية وقانونية وتجارية قبل الانتقال إلى العقد الملزم. هذا التطور يعكس، وفق خبراء في شؤون الطاقة، أن السوق السورية بدأت تخرج من مرحلة الاستكشاف السياسي إلى مرحلة العقود العملية التي يمكن قياس أثرها على الأرض.

ويرى مختصون أن هذا النوع من الانتقال مهم في أسواق تعاني ضعف الثقة وارتفاع المخاطر، لأن توقيع عقد تنفيذي مع جهة دولية كبيرة يبعث برسالة إلى المستثمرين بأن البيئة التنظيمية والسياسية باتت أكثر قابلية لاستقبال مشاريع طويلة الأجل. كما أن وجود شركات ذات خبرة واسعة في الصناعة النفطية والغازية يرفع مستوى التوقعات بشأن جودة التشغيل ونقل الخبرات.

لماذا يُعد العقد مهماً للموازنة السورية؟

تواجه الحكومة السورية الجديدة عجزاً مالياً كبيراً، إذ تُقدّر الفجوة في الموازنة بنحو 1.8 مليار دولار لعام 2026، وفق الأرقام الرسمية المتداولة. وفي مثل هذا السياق، لا يُنظر إلى تطوير الغاز باعتباره مشروع طاقة فقط، بل باعتباره وسيلة لتحسين التوازنات المالية عبر مسارين رئيسيين: تقليص فاتورة الاستيراد، ورفع الإيرادات المحلية أو المستقبلية.

فعندما ترتفع كميات الغاز المنتجة محلياً، تقل الحاجة إلى الاستيراد أو إلى الإمدادات الإقليمية المكلفة التي تُستخدم لتخفيف أزمة الكهرباء. وهذا يعني أن جزءاً من الضغط على النقد الأجنبي يمكن أن يتراجع تدريجياً. وإذا تحقق فائض في الإنتاج لاحقاً، يصبح التصدير خياراً مطروحاً، وهو ما يفتح الباب أمام تدفقات بالعملة الصعبة قد تساعد في تمويل الإنفاق العام ومشاريع إعادة الإعمار.

من هذا المنطلق، ينظر إلى العقد بوصفه أداة محتملة لكسر ما يوصف بـ«عنق الزجاجة» المالي، أي تلك النقطة التي يعجز عندها الاقتصاد عن التقدم بسبب ضعف الموارد وتراكم الالتزامات.

انعكاسات مباشرة على قطاع الطاقة

القطاع الغازي في سوريا خرج من الحرب منهكاً، مع تضرر منشآت الإنتاج والنقل والصيانة، وتراجع القدرة التشغيلية في عدد من الحقول. وتشير تقديرات متداولة إلى أن الإنتاج المحلي الحالي لا يغطي سوى جزء محدود من الطلب، في حين تستمر فجوة يومية كبيرة بين العرض والاستهلاك، خاصة مع الضغط الشديد على قطاع الكهرباء.

وتفيد التقديرات الفنية بأن العقد الجديد يمكن أن يضيف بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام من بدء التنفيذ، مع احتمال احتياج الجدول الزمني إلى فترة أطول قليلاً قبل بلوغ هذا المستوى الكامل. ورغم أن هذه الزيادة لا تعني عودة فورية إلى مستويات ما قبل الحرب، فإنها تمثل تقدماً مهماً في سوق تعاني عجزاً هيكلياً ممتداً منذ سنوات.

كما أن رفع الإنتاج المحلي يعني تحسيناً في تزويد محطات التوليد بالوقود، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على استقرار التغذية الكهربائية. وبما أن الطاقة الكهربائية تؤثر مباشرة في الصناعة والخدمات والنقل والتجارة، فإن أي تحسن في هذا الملف يمكن أن يترك أثراً مضاعفاً على الاقتصاد الأوسع.

إشارة ثقة إلى المستثمرين

يرى خبراء أن الأثر الأكبر للصفقة قد لا يكون تقنياً فقط، بل نفسياً واستثمارياً أيضاً. فدخول شركة بحجم كونوكو فيليبس إلى السوق السورية يُنظر إليه كإشارة ثقة قد تشجع شركات أخرى على دراسة الفرص المتاحة. وفي أسواق مرتفعة المخاطر، غالباً ما تعمل الصفقة الأولى أو الأبرز بوصفها اختباراً للبيئة الاستثمارية كلها.

وتزداد أهمية هذه الإشارة مع تزامنها مع تحركات أخرى في القطاع نفسه، من بينها عقود ومذكرات تفاهم مع شركات سعودية وقطرية وفرنسية، بما يوحي بأن ملف الطاقة أصبح منصة رئيسية لاستقطاب رؤوس الأموال والشراكات الخارجية. وإذا استمر هذا المسار، فقد تتشكل شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية المرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية للطاقة في البلاد.

المعادلة بين الإنتاج والبنية التحتية

لا يمكن فصل أي خطة لزيادة إنتاج الغاز عن حالة البنية التحتية. فالحقول السورية تعرضت لأضرار كبيرة، كما أن خطوط النقل والمعدات والآبار عانت من سنوات من التراجع التقني واللوجستي. لذلك فإن نجاح العقد يعتمد على قدرة الأطراف المنفذة على إعادة التأهيل التدريجي للمنشآت، وتوفير المعدات الحديثة، وتطوير سلاسل الإمداد والصيانة.

وفي هذا الإطار، يكتسب وجود فرق فنية متخصصة أهمية خاصة، لأن رفع الإنتاج لا يرتبط بحجم الاستثمار المالي وحده، بل بجودة التنفيذ وسرعة استعادة الكفاءة التشغيلية. كما أن التوسع في عدد الشركات العاملة قد يخفض التكاليف بفضل تبادل الخبرات وتوزيع المخاطر ورفع مستوى المنافسة.

تداعيات محتملة على العلاقات الاقتصادية الخارجية

يحمل العقد أيضاً بعداً يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين دمشق وواشنطن. فالتعاون المباشر في قطاع الطاقة قد يفتح قناة عملية للتواصل الاقتصادي، حتى لو ظلت الملفات السياسية الأخرى معقدة. وفي العادة، تبدأ الانفراجات في العلاقات الدولية من المصالح الاقتصادية المتبادلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات استراتيجية مثل الطاقة.

ومع أن الطريق ما زال طويلاً أمام تحول كامل في البيئة الاستثمارية، فإن توقيع عقد تنفيذي بهذا الحجم يعني أن سوريا تحاول إعادة تعريف نفسها كسوق قابلة للشراكة، لا كسوق معزولة. وهذه الرسالة قد تكون بالغة الأهمية في المرحلة المقبلة، خاصة إذا ترافقت مع شفافية في الطرح والتنفيذ، واستمرار في تحسين الإطار القانوني والتنظيمي.

تحديات قائمة وفرص مفتوحة

رغم الإيجابيات، ما زالت التحديات كبيرة. فالعقوبات السابقة، وضعف البنية التحتية، واحتياجات التمويل، وتقلّب البيئة السياسية، كلها عوامل قد تبطئ الأثر الاقتصادي المتوقع. كما أن أي زيادة في الإنتاج تحتاج إلى وقت قبل أن تتحول إلى وفورات مالية ملموسة أو إلى إيرادات مستقرة.

ومع ذلك، فإن الصفقة تظل مهمة لأنها تضع قطاع الغاز السوري على مسار جديد، وتمنح الحكومة فرصة أفضل للتعامل مع عجز الموازنة وأزمة الطاقة معاً. وإذا نجحت مشاريع التطوير المرتبطة بها، فقد يتحول الغاز إلى أحد الأعمدة الأساسية للتعافي الاقتصادي في سوريا خلال السنوات المقبلة.